محمد قدو أفندي أوغلو - خاص ترك برس

لم تكن تلعفر تلك المدينة الحدودية إلا عقبة أمام التحديات والمؤامرات التي كانت دوما تعصف بالبنية العراقية كدولة وكشعب، و كانت عصية على كل من كان يحاول اجتثاث هويتها التركمانية، إذ كانت دوما السباقة إلى نبذ كل أشكال الهيمنة الاستعمارية، وكلنا نتذكر أن ثورة العشرين التي قادها الأبطال من أهالي تلعفر التركمانية سبقت ثورة الشيخ شعلان أبو الجون والتي سميت بثورة العشرين بسبعة عشر يوما.

أي بمعنى أن الشرارة الأولى لثورة العشرين انطلقت من مدينة تلعفر وقد حاول الإنجليز منذ تلك الفترة تغيير التركيبة السكانية حيث هدمت منازل القادة وهُجّر معظم سكان القضاء إلى بلدات أخرى بعيدة وقريبة لإفراغها من أهلها، لكن تلك المخططات فشلت فشلا ذريعا وعاد سكانها الأصليون إلى بلدتهم وقراهم يمارسون عملهم وزراعتهم في حقولهم وبساتينهم وورشهم وكأن شيئا لم يكن . 

جرت محاولات أخرى بعد تلك الواقعة والتي تخص مايعرف بتعريب أهالي تلعفر, وهذه المرة كانت العملية تهدف إلى إضاعة الهوية التركمانية من قضاء تلعفر، حيث تمت هذه المحاولات لعدة فترات متعاقبة منعت فيها كتابة القومية التركمانية إضافة إلى منع كل مايمت بصلة إلى أصل هذه البلدة، فتم تغيير أسماء المحلات والأحياء والقرى القريبة للقاطنيين التركمان من أسمائها الاصلية، وحيثما وجد أي اسم لقرية أو لشجر أوحجركان الاسم عرضة للتغيير،  وبالمقابل كانت هناك مؤامرة خبيثة أخرى ضد تلعفر فتم توقيف كافة المشاريع الاستراتيجية والخدمية عنها, وعلى الرغم من أنها كانت من أكبر الأقضية في العراق وكانت مرشحة منذ أواخر الستينات لأن تكون محافظة مستقلة عن الموصل، ومنع هذا الحق الطبيعي مع العلم أن هناك الكثير من الأقضية الصغيرة والتي تعادل نصف مساحة ونفوس وتوابع تلعفرمن البلدات والنواحي.

 حوّلت إلى محافظة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر مدينة دهوك والسماوة وتكريت وغيرها لكن منع عن تلعفر هذا الحق الطبيعي والقانوني والدستوري بسبب كونها مدينة تركمانية بالكامل.

تتعالى في هذه الأيام أصوات أبواق تجرب حظها مرة أخرى لتغيير حقيقي لديمغرافية تلعفر بأساليب شيطانية ملعونة تصيب هذه البلدة الآمنة التي كان سكانها متألفين متحابين وكأنهم أبناء عائلة أوعشيرة واحدة، وهذه الخاصية هي التي حافظت على الممتلكات العامة والخاصة من النهب والسلب. وأكاد أجزم أن مدينة تلعفر هي الوحيدة التي لم تحصل فيها عمليات النهب والسلب من بين كل البلدات والمدن العراقية قاطبة , هذه الأصوات التي تسعى إلى إنهاء الوجود التركماني أو إضعافه أوالتقليل من شأنه لاشك في انها لم تقرأ التاريخ جيدا، ولم تفهم ماضي هذه المدينة ولم تدرك النهاية المأساوية لمخططاتها الخبيثة التي ستكون وبالا عليهم بعزم وإصرار أهاليها.

 يجب على الكل أن يدرك أن تلعفر والمكون التركماني فيها أقوى دعائم الاستقرار لمحافظة نينوى، وأن كل الممارسات والمؤامرات التي حدثت لتلعفر كانت لإضعاف مدينة الموصل - فلذا فإن أي استهداف للموصل، وتغيير ديموغرافيتها يتوجب على هولاء المدسسين إزالة تلعفر والمكون التركماني العقبة الرئيسة والصخرة التي تتكسرعندها كل موجات الحقد والكراهية. 

وهنا لابد لنا ان ننوه إلى أن تلعفر مثلما بقت صامدة في وجه هؤلاء وأذنابهم، ستبقى صامدة وتستمرالحياة فيها, ومهما حاول هؤلاء النيل من تلعفر، ومهما حاولت الجهات الأخرى تفريغ سكانها وتهجيرهم، والمتواطئون معهم والذين ينتظرون مكسبا آنيا رخيصا ويتحالفون مع كل الأطراف الخبيثة التي لاتشرف أي إنسان وطني مخلص لأمته ووطنه، ومهما حاولوا تغيير ديمغرافية المدينة وإنهاء القومية التركمانية فإننا نقول لهم: "تذكروا خيبات أمل الذين سبقوكم، ولاتحاولوا نسيان الماضي، كما أن الاتفاقات التي تتم هنا وهناك في الغرف المظلمة ستكشفها نور الشمس وستمحو آثارها كما يمحو موج البحر الأثر عن الرمل .

في الختام أذكر أن الإنسان المرتبط بأرضه ويحمل تاريخا مشرفا لايمكن لأعدائه النيل من كرامته وعزته وحياته التي نذرها لوطنه, ( وتلك الايام نداولها بين الناس ) صدق الله العظيم.    

عن الكاتب

محمد قدو أفندي أوغلو

باحث في الشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس