د. محمد مكرم بلعاوي - خاص ترك برس

الإبحار في عالم الرموز والحكايات

عالم الرموز والحكايات عالم بالغ الخطورة والأهميّة، فهو ليس عالماً للتسلية المجّانية وتزجية أوقات الفراغ، إنّه الوسط الذي يوحِّد ضمير ومخيال مجموعة من البشر ويصهرهم في سبيكة واحدة تفكِّر وتشعر وتسعى بنفس الاتجاه وتتوحّد خلف المصالح والدعاوى وأمام التهديدات والتحديّات، فإن كانت هذه الرموز غير موجودة، وهي دائماً موجودة، فعلى الدولة أن تفتش عنها وتحوّلها، عبر أدوات قوتها الناعمة، إلى رموز، أو تخترعها اختراعاً، وأن تحوّل الحوادث العابرة في التاريخ والواقع إلى حكايات اسطوريّة فوق مستوى البشر الفانين، أبطالها أشخاص أقرب ما يكونون إلى آلهة الأولمب منهم إلى بشر من لحم ودم، ومهمتم أن يتحولوا بأفعالهم وأقوالهم وأشكالهم المزعومة، إلى مصدر إلهام مشترك للشعب وإداة فعّالة في تشكيل إدراكه للكون والدولة والإنسان.

تبرز في السياق التركي حكاية أونباشي كوجا سيد بن محمد والذي كان السبب في انتصار العثمانيين في معركة شِناق قلعة، حيث رفع قذيفة هائلة الحجم على ظهره بعد تحطم الرافعة الخاصة بذلك واستشهاد زملائه، ووضعها في المدفع بمساعدة زميل له وأطلقها فأصابت إحدى السفن المهاجمة ما أدى إلى انهيار اسطول العدو كانهيار قطع الدومينو وتغير موازين المعركة لصالح العثمانيين. كوجا سيد اليوم، حاضر في كل مناسبة نصر تركية بصورته الايقونيّة كرجل منحن يحمل قذيفة على ظهره، وقد صار قريناً لفكرة أنّ الله تعالى يقف إلى جوار الشعب التركي فيرزقه النصر الإلهي حتى في ظروف مستحيلة، أمام العدو الخارجي. أمّا في مواجهة العدو الداخلي، فهناك ضابط صف عمر خالص دمير الذي تنسب إليه الرواية الرسمية فضل فشل الانقلاب العسكري في تركيا 2016م، وذلك حين قتل قائد الانقلابيين من القوات الخاصة مما أحبط دورها وتأثيرها في إسناد الإنقلاب، وأدى بالتالي إلى ضعفه وفشله. عمر خالص دمير تحوّل إلى كوجا سيد جديد يمثل هذه المرة إرادة الشعب الحرة التي هزمت الإنقلاب وآثرت الشهادة والوفاء على الخيانة والبقاء، فتمّ إطلاق اسمه على الميادين والشوراع في العديد من المدن التركية وانتشرت صوره مع الشهداء الذين ارتقوا في مواجهة الانقلاب الفاشل.

إذن هناك حالة شاملة من الحماية الربانية لهذه الشعب، تحصِّنة من العدو الخارجي والذي تمثّله اسطورة كوجا سيد الذي قاد انتصار الشعب التركي في معركة شناق قلعة الحاسمة، وهناك عمر خالص دمير الذي أفشل الانقلاب على الشرعية وخيار الشعب، ويمثِّل أداة الرعاية الربانية لشعب تركيا وخياره الديمقراطي في وجه العدو الداخلي، وهو ما يشحن نفسيّة المواطن التركي بالشعور بالمنعة وعدم القابلية للانكسار والهزيمة مهما تكن الظروف، وهو ما فتئ مسلسل قيامة أرطغرل يعيده ويكرره طوال حلقاته المديدة والعديدة، وهكذا نستطيع أن نفهم كيف يحضر بامسي ألب (نور الدين سونماز) وتورغوت ألب ( جنكيز جوشكون) على المسرح في ذكرى 563 لفتح القسطنطينية، ويستقبلهما الجمهور المليوني في ساحة يني قابو في اسطنبول استقبال أبطال حقيقيين لا كنجوم تلفزيونيين ليلهبا مشاعر الجماهير بأشعار عن عزة تركيا وعظمة الشعب التركي، وتدقّ موسيقى التتر مع قدوم رئيس الجمهورية المحبوب رجب طيب أردوغان، حتى صارت مقترنة به وهو مقترن بها، وتنتشر وجوه العديد من الشباب الذين أطلقوا لحاهم تشبهاً بشخصيات المسلسل المشهورة، ولبسوا قبعاتهم المميزة في برد الشتاء، ويوقن المرء أن هذا المسلسل حفر عميقاً في الضمير التركي، أو نقّب عميقاً ليوقظ حلماً عمره مئات السنين.

صناعة البطل وتطويع التاريخ 

كما تم صناعة اسطورة أرطغرل بن سليمان استناداً على معلومات تاريخية محدودة، فإنّ أمماً أخرى سارت على نفس الطريق، ففي الهند تم انتاج مسلسل لنفس الغايات تقريباً اعتماد على معلومات أركيولوجية (آثارية)، قليلة لنسج سيرة بطل الهند القومي الملك أشوك، ويبرز السؤال هنا حول صدقيّة المعلومات التاريخية التي استند إليها المسلسل، وهو إن كان سؤالاً ملحّاً في دوائر المشاهدين إلاّ أنّه قليل الأهمية من الناحية الفنيّة، فمسلسلات الدراما التاريخية لا يقصد بها أن تكون دروساً في التاريخ ولا أن تعلّم النّاس التاريخ، وهذا هو الفرق الأساسي بين الأفلام الوثائقية والأفلام التعليمية والدراما التاريخية. فالدراما التاريخية وإن كانت تستند إلى أرضية تاريخية تبني عليها الحبكة وتطورها، إلاّ أنّ الأهم فيها هو بناء وعي المشاهد بناء ينعكس على واقعه، من خلال تبني منظومة فكرية وأخلاقية ما، عبر شخصيات معروفة لديّه مسبقاً وإسقاط هذه الشخصيات والأحداث على واقعه، وكلما اقترب المسلسل التاريخي من واقع الناس وخاطب عواطفهم، كلما كانت شعبيته أكبر وتأثيره فيهم أعمق وهو ما يؤثر في توجهاتهم السياسيّة بل وحتى أحياناً الاستهلاكية.

ومن الطبيعي أن يعمل التيار السياسي الحاكم على تسويق رؤيته للكون والدولة والمجتمع خصوصاً إن كان مشروعه يمثّل انعطافة حادة في السياسة المحليّة، وهو ما يقوم به التيّار المحافظ في تركيا. إنّه يحاول أن يطرح روايته المضادة لرواية الدولة الكماليّة والتي تمّ طرحها وتبنّيها بعد إسقاط السلطان عبدالحميد الثاني، والتي تصوِّر ليس الواقع والمستقبل وحسب وإنما تنبش الماضي وتعيد أحياءه وإعادة تشكيله إذا لزم الأمر، بهدف استعادة دور تركيا بوصفها وريثة الدولة العثمانية، ووضعها في قلب السياسة الدوليّة، وذلك من خلال استخدام إحدى أهم وسائل القوة الناعمة، وهي الدراما التلفزيونيّة وخصوصاً التاريخية منها، لقدرتها على التأثير في الجمهور وتغيير توجهاته.

شعبيّة جارفة وتأثير عميق

كيف يمكن لنا أن نفسِّر هذا القبول الواسع لمسلسل قيامة أرطغرل حتى بين المتدينين العرب الذي طالما دعوا إلى مقاطعة التلفزيون والدراما على اعتبار أنّها إحدى أدوات الإفساد وباب من أبواب الشيطان؟

يمكننا عزو تلك الشعبيّة إلى أسباب عدة:

التعطش لعمل درامي جاد

عانى المشاهد على مدى عقود طويلة من قلة الأعمال الدرامية الجادة التي تخاطب حاجاته، وتحترم ذوقه وعقله، إذ كانت مالت تلك الأعمال إلى مخاطبة الغرائز والإضحاك الفارغ، وكأنّه هدفها تغييب المشاهد عن الواقع، وعزله عن مورثه الحضاري، أو صياغة ذلك الموروث بصورة تخضع لسياسات أمنيّة صارمة، تخلق جمهوراً مدجناً بعيد عن السياسة إلا ما كان منها يكرّس الوضع الراهن الذي يغلب عليه تحكم نخبة محدودة بواقع الشعب والدولة ومستقبلهما. خلافاً لكل ما سبق، فقيامة أرطغرل جاء في جو من الديمقراطية والحرية، سمح للمنتجين بحرية التعبير واستلهام التاريخ واسقاطه أحداثه على الواقع بصورة مبدعة، تتصف بقدر عال من الجدية، فلاقت استحسان الجمهور كما لاقت دعم السلطة التي جاءت هذه المرة ممثلة لشعبها عبر انتخابات حرة.

ارتفاع المستوى الفني

من المهم الإشارة إلى أن المسلسل شكّل قفزة نوعية من الناحية الفنيّة مقارنة بالمسلسلات المحليّة التي تتصف بالضعف من هذه الناحية، خصوصاً إلى ما قورنت بالإنتاجات الدراميّة الغربيّة والأمريكية منها على وجه الخصوص.

يمكننا ملاحظة هذا الارتفاع في المستوى الفني من خلال:

• مواقع التصوير 

من أجمل ما يشد المشاهد إلى متابعة المسلسل هي المواقع التي تم اختيارها لتصوير المسلسل، فمنطقة تشايغزي على نهر ريفا، منطقة رائعة الجمال، تطوقها الغابات الكثيفة وتتميز بكثرة المياه وجمال الطبيعة، وهو ما يزيد تأثيره على المشاهد العربي على وجه الخصوص، والذي تبهره خضرة الريف التركي.

• تطور التصوير والمؤثرات البصرية

في مشاهد عديدة من المسلسل تمّ توظيف المؤثرات البصرية بصورة غير مسبوقة في الجزأين السابقين، كما حصل في الحلقة الثانية والستين (الأولى في الموسم الثالث) عند إطلاق أورال سهماً من قوسه نحو العبد هاتشوريان ليقتله، ومبادرة أرطغرل لاعتراضه بخنجره، في لقطة شديدة الروعة، حيث تتبع الكاميرا وهو ينطلق من القوس ويتموج في الهواء بحركة بطيئة حتى يصل بمحاذاة أرطغرل فيضربه بخنجرة كاسراً إياه بحركة ساحرة، يترافق مع ذلك تطور في التصوير البانورامي والمتحرك، حيث كثيراً ما تستخدم الطائرات دون طيار الصغيرة لتصوير مشاهد عمودية وصور متحركة على ظهور الجياد، وتستخدم الكاميرات ذوات الإمكانيات العالية لالتقاط صور بانورامية تبهر المشاهد وتجعله يعانق الطبيعة ويشعر أنّه جزء من الصورة وكأنه يشاهد دراما ثلاثية الأبعاد.

• تطوّر مهارات الفروسية

ومما يشدّ المشاهد أيضاً، أنّ الممثلين يثيرون إعجاب المرء بمهارتهم في ركوب الخيل واستخدام السيف والقوس كما يثرونه بقدرتهم على التعبير عن المشاعر والأحاسيس. ولا غرابة فقد تلقوا تدريباً دام ثلاثة شهور على الفروسيّة على يد فريق من المدربين المستقدم خصيصاً لهذا الغرض من تركستان، وتعرّض العديد منهم للجروح والإصابات أثناء ذلك، فضلاً عن تدريب الخيل نفسها، ففي هذا الجزء الثالث بتنا نشاهد خيولاً تتعرقل وتقع على الأرض بحركات تنبض بالحياة والحركة، مما يدّل على أنّها خيول مدربّة تدريباً طويلاً على هذه اللقطات الصعبة، أسوة بأفضل الأفلام العالمية.

• حيويّة الحوار وذكاؤه

ومما يزيد متعة المشاهد تلك الحوارات الذكيّة والكلمات المعبرة التي تجري على ألسنة الممثلين، ما يعكس قدرة كاتب الحوار ورغبته بالتأثير بالمشاهد من خلال كلمات صاغها كالسحر، فهو يتخيّر أجمل الكلمات وأكثرها قدرة على التعبير مستخدماً العديد من الآيات القرآني والأحاديث النبوية والحكم، موجِّهاً ذلك إلى مجتمع كاد أن يفقد بأغلبيته هويته الإسلاميّة، حتى شمل ذلك التحايا اليوميّة، فجعلها مألوفة لأذن الإنسان البسيط، معيداً ربطه من جديد بثقافته الإسلاميّة.

• الاحتراف والمهنية

وممّا يزيد من متعة المشاهد، قدرة المنتج على خلق جو يحاكي الحقيقة بدقة متناهية، تهتمّ بالتفاصيل الصغيرة، فالخيام والملابس والأسلحة والحلي، كلها تمّ تصميمها لتكون أقرب ما يكون من الواقع، حتى طريقة حياكة السجاد وصناعة الحديد وتعليم الصبيان، لم يترك المخرج شيئاً إلاّ بذل جهداً كبيراً حتى يكون موافقاً لما كانت القبائل التركمانية تستعمله، وهو ما أعطى المشاهد ذلك الشعور بالانتقال الفعلي إلى زمن عمره مئات السنين ليطّلع عن كثب على تجربة ثقافية فريدة لم يألفها في عالمه المعاصر.

• احترام ثقافة المشاهدين

خلافاً لأكثر الانتاجات الدراميّة، فإنّ المسلسل يحترم خصوصيات وثقافة المجتمع التركي بوصفه مجتمعاً مسلماً، فيميل إلى المحافظة في الملابس والعلاقة بين الجنسين ويتجنب إشاعة المنكرات كالخمور والعلاقات غير الشرعية، و"دراما الفِراش"، وهو ما جعله مناسباً لفئات عمريّة صغيرة (يناقضه جرعة العنف الكبيرة) فتشاهده العائلة كلها دون حرج، ليتحول إلى مناسبة عائليّة تجتمع فيها العائلة وتناقش وقائع التاريخ وتأثيرها على الواقع. كما أنّه بنزعته المحافظة استطاع أن يجتذب شريحة المتدينيين الذين نادراً ما يشاهدون مسلسلات دراميّة، فصار بعضهم بعد أن كان ينكر على غيره مشاهد المسلسلات التلفزيونية، داعية متحمساً لمسلسل قيامة أرطغرل، هذا بحد ذاته يمثّل انقلاباً ثقافيّاً غير مسبوق.

• مخاطبة أشواق المشاهدين للبطولة والكرامة

وأخيراً فإنّ هذا المسلسل جاء على موعد مع جماهير المشاهدين التي تشاهد كل يوم، حالة التشظي والاستضاف التي تعاني منها الأمّة، وترنو إلى مخلّص ينقذها من المعاناة والذلة التي تكتنفها، وتفتش عن بطل يصنع لها نصراً ولو على شاشات التلفاز ليرفع من معنوياتها ويعيد إليها شيئاً من الأمل والثقة بالنفس، وهو ما فعله بطل المسلسل على أكمل وجه.

أرطغرل بناء الدولة والأمة

أهم ما يميز الجزء الثالث من مسلسل قيامة أرطغرل هو وضوح رؤيته بإقامة دولة تحمي الإسلام من عدوه الأول، أوروبا الصليبيّة، من خلال قطع الطريق البري على الحملات الصليبية التي كانت عادة ما تزحف من أوروبا عبر شرق أوروبا وصولاً إلى القسطنطينية ثم بلاد الشام فالقدس الشريف، وكي يقوم بذلك عليه السيطرة على الجزء الأوروبي مما يعرف اليوم بتركيا، والحصول على الموارد المادية والدعم العسكري وذلك بعد حصوله على الدعم السياسي من سلطان الأناضول السلجوقي السلطان علاء الدين كيقباد.

أول ما قام به هو الحصول على الشرعية الجهادية بمواجهة فرسان الهيكل وانتصارهم عليهم وهو ما أشاع ذكره بين القبائل التركمانية وعزّز صورته بينهم كمجاهد وبطل استثنائي جدير بالثقة، وهو ما جعله يأمل أن يوحدهم ويقودهم وهم أهل شجاعة وحرب، لمواجهة القوى الصليبية لتحقيق رؤيته ببناء الدولة العازلة. أمّا في مجال الدعم المالي، فالمسلسل يعرض محاولاته لتطوير صناعة السجاد وبيعه للبنادقة من خلال بناء مصنع خاص بذلك بالتعاون مع قبيلة تشافدار، ثم تطوّرت خططه بالسيطرة على سوق المنطقة وانتزاعه من فرسان المعبد، والسير فيه بسياسة جاذبة للتجار، وتأمينة لطرق التجارة من القسطنطينية هو ما سوف يخلق جواً مثالياً لنمو التجارة في تلك المنطقة المضطربة. والأهم من ذلك كله، توجهه إلى الحصول على مصدر الثروة وعنوانها، وهو الذهب بكميات هائلة من خلال التنقيب عنه في الأنهار الأمر الذي سيكون كفيلاً لو حصل، بأنّ يوفر له مصدراً لا ينضب من المال لتمويل حملاته العسكرية وشراء ولاءات القبائل ولاحقاً بناء دولة قويّة.

وبقليل من الملاحظة يمكننا لمس الإسقاطات التي يريد المسلسل أن يرسِّخها في ضمير المشاهد، مستحضرين أوجه الشبه بين عالم أرطغرل وتركيا العدالة والتنمية، ويمكن إجمالها بإبراز أهمية تركيا كدولة تقع على تقاطع طرق القارات، وقدرتها على توفير العدل والأمن المطلوب لرخاء وتقدم المنطقة، وجدارتها بتوحيد وقيادة الأمّة الإسلاميّة، كي تواجه العدوان والتغول الدولي، وهو ما أشرت إليه مسبقاً بأنّ أهمية الدراما التاريخيّة لا تكمن في أنّها درس في التاريخ، بل في إسقاطاتها على الواقع والأثر النفسي العميق الذي ترسخة في العقل الباطن للمشاهد، وصياغة الشخصية الوطنية.

تعزيز السمات السلبيّة

رغم كل ماسبق فإنّه للأسف ما زالت السمات السلبية الثلاث، وهي العنف المفرط وطغيان نظرية المؤامرة وسطحية تناول القضايا الكبرى، والتي طبعت الجزء الأول والثاني من المسلسل، مستمرة في الجزء الثالث، ويبدو أنّها أصبحت سمات ذاتيّة لا يمكن الفكاك منها. 

فالجزء الثالث يعاني من العنف المفرط وذلك انعكاس لمحاولات تقليد الأفلام الغربية وخصوصاً الأمريكية، اعتقاداً من المنتجين أن هذا النوع من الدراما يجذب المزيد من المشاهدين، وهو وإن كان يتوافق مع الثقافة المادية الغربية فإنه يتناقض مع الثقافة الإسلامية والتعاليم الإسلامية والتي أمرت بالرفق والرحمة وتجنب العنف غير الضروري حتى مع الأعداء، بل مع الحيوانات أيضاً، كما أنّ الحبكة برمّتها تكاد تقوم على نظرية المؤامرة، فالمتآمرون منتشرون في كل مكان وقد يكونوا من أقرب الأقرباء ممن يزعمون الصلاح ومصلحة القبيلة والأمة، لتكتشف لاحقاً أنّهم يتآمرون مع العدو لمصالحهم الضيقة، أو أنّهم يعلنون الإسلام ويبطنون خلافه وهمّهم الأول هو تدمير الإسلام والقضاء عليه، وفوق كل ذلك يتم تناول القضايا الكبرى كوحدة الأمة ومواجهة العدوان الصليبي بكثير من التسطيح والتبسيط كان من الممكن تجاوزه إلى معالجات أكثر عمقاً.

اللافت في هذا الجزء تكريس شخصية الزعيم المطلق أو المافوق إنسان، عند تقديم أرطغرل، وهو منحنى لا بد أنّه يعكس رؤية المنتجين للزعامة والقيادة، فأرطغرل تجتمع فيه كل صفات الخيرية، من حكمة وشجاعة وعلم وكرم، وهو فوق الخطأ والنقد، حتى لو كان هذا النقد موّجه إليه من والدته، فإثر عودته من السوق في حالة اقتصادية يرثى لها، طلب زعماء القبيلة أن يدعو أرطغرل إلى اجتماع للتشاور ولكنه رفض ذلك بشدة وعللّ ذلك أنّه إذا جمعهم وهم في هذه الحالة فسيتخذون قرارات ليست في صالح القبيلة، وعندما واجهته أمّه بأنّ فعله خاطئ واجهها بالغلطة، وهو ما يعني أن أرطغرل يرى نفسه فوق الجميع وأن قراراته وتقديره لمصلحة القبيلة أعلى من تقدير وقرارات المجلس، وفي حادثة لاحقة عرض زعيم القبيلة المنافسة على أرطغرل أن يزوّجه ابنته وبعد أن استشار أرطغرل والدته ومستشاره الخاص أرتوك باي، وعلم علم اليقين أن رفض هذا العرض سيهدد مستقبل قبيلته وسيشق الوحدة بين الطرفين، غلّب مشاعره الشخصية ورفض عرض الشيخ، رغم أن الزيجات السياسيّة كانت أمراً شائعاً في ذلك الزمان، وكان ذلك مقدمة لأحداث أخرى ساخنة وخطيرة هددت الوجود الإسلامي في المنطقة.

أمّا العنف الذي يوجهه أرطغرل إلى أعدائه فهو أمر مشروع لا ينبغي مساءلته أو حتى الوقوف عنده، فعندما تمت سرقة كيس نقود أرطغرل عنده في الخان، سارع إلى قطع يد السارق دون الحاجة حتى إلى سؤال فضلاً عن محاكمة اللص، في مشهد كفيل بأنّ ينتمي لأفلام الرعب، وفي المقابل، عندما قام خصمه بشراء العبيد وإطلاق السهام عليهم وقتلهم من أجل تنفيس غضبه قام أرطغرل بإنقاذ أحدهم بحركة بارعة من خنجرة استعملت فيها الخدع البصريّة المتطورة، مكرّسة مبدأ أنّ العنف مقبول ما دام لأهداف مقبولة ولأغراض ساميّة. على الصعيد التفوق المعرفي، فإنّ أرطغرل يحتكر الأسرار والأخبار، وكل أفعاله قائمة على وعود واتفاقات غير معلنة مع السلطان علاء الدين، أمّا على صعيد القوة والشجاعة فإنّه قادر بمفرده على هزيمة أي عدد من الأعداء مهما كان تسليحهم ما دام أنّ أسره لا يخدم القصة، وهو قادر على هزيمتهم أحياناً بدون سلاح كما حصل عندما هاجمه الأشقياء (قُطّاع الطرق) في مكان منعزل بينما كان زوجته تخبره بأنّها حامل بمولوده الثاني، وهو معصوم من الموت مسموماً فعندما قدم له صديقه تورغوت رسالة مسمومة دون أن يدري، تدخلت العناية الإلهية لإنقاذه من الموت الذي هلك فيه غيره، وكانت هذه الحادثة سبباً لأول انتصار وفتح يقوم به في المنطقة وهو فتح سوق الخان.

إذن، استطاع الجزء الثالث من مسلسل قيامة أرطغرل أنّ يعيد ربط قصة وسيناريو المسلسل بقضية حماية القدس، بعد أن كان قد خصص الجزء الثاني بأكمله لحكايته مع المغول وهزيمته إياهم، باعتبار الأتراك حماة الإسلام في وجه الهجمة الصليبية الأوروبية، والقوة الوحيدة القادرة على قيادة العالم الإسلامي في عالم تسوده شريعة الغاب مما يزيد حالة الإسقاط التاريخي على الواقع المعاش ويجعله أكثر جذباً وتأثيراً وخصوصاً مع ما تتعرض له القدس اليوم من هجمة صهيونية، كما كرّس المسلسل دوره في إعادة صياغة الشخصية التركية الحديثة وإعادة ربط بموروثها الحضاري وتاريخها ودينها بما يتماشى مع رؤية حزب الحرية والعدالة، واستطاع أن يكسب مزيداً من الجمهور على المستوى العربي والإسلامي من خلال ترجمة المسلسل إلى اللغة العربية ونشره على اليوتيوب تباعاً مخترقاً أوساط لم تعتد مشاهدة الدراما من قبل، فأثار نقاشاً جاداً حول أهمية الدراما وتوظيفها الإيجابي في سبيل نهضة الأمة ورفعتها.

أخيراً

في تغريدة للإعلامية إلهام بدر يوم السابع من ديسمبر/ كانون أول 2016م، ذكرت أنّ الشيخ عبدالرحمن بن حمد آل ثاني الرئيس التنفيذي للمؤسسة القطرية للإعلام قد وقّع ظهر اليوم عقد شراء بث حصري لمسلسل أرطغرل مع تلفزيونTRT، ما يعني أنّ المشاهد العربي سيتمكن هذه المرة من مشاهدة المسلسل على شاشات التلفاز مدبلجاً على الأرجح، وهو ما سيشكّل صدمة إيجابية للدراما العربية، ومتعة كبيرة للمشاهدين العرب، ودفعة إضافية لهذا المسلسل المتميز.

عن الكاتب

د. محمد مكرم بلعاوي

فلسطيني ورئيس منتدى آسيا والشرق الأوسط، دكتوراه في الأدب الإنجليزي، باحث وقاص وكاتب للأطفال


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس