بيتر أكوبوف - فزغلياد - ترجمة وتحرير ترك برس

تمكن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من الفوز في الاستفتاء وإقرار التعديلات الدستورية، لتصبح بذلك تركيا جمهورية رئاسية. وبناء على ذلك، أقر أردوغان بأنه عليه بذل جهد أكبر في تحديث البلاد للتغلب على أعدائه في الداخل والخارج. فإلى أي مدى سيخدم تنامي قوة رجب طيب أردوغان المصالح الروسية؟

بعد سنتين من الآن، ستتحول تركيا إلى جمهورية رئاسية؛ فمع انتهاء الانتخابات الرئاسية سنة 2019، سيكون للرئيس كامل صلاحيات السلطات التنفيذية بما في ذلك صلاحيات رئيس الحكومة. ووفقا للتعديلات الدستورية، لن يتضمن النظام التركي منصب رئيس وزراء، علما وأن الرئيس التركي أردوغان كان رئيسا للوزراء سنة 2003.

 أما سنة 2014، فقد تمكن أردوغان من تحقيق الفوز في الانتخابات الرئاسية من الجولة الأولى، وشرع في العمل على برنامج النظام الجمهوري وتركيز السلطة (التنفيذية) في يد رئيس الجمهورية. وفي كانون الثاني/ يناير من هذا العام، وافق أعضاء البرلمان التركي على التعديلات الدستورية التي تمنح الرئيس جملة من الصلاحيات ليتم على إثر ذلك طرح هذه التعديلات للاستفتاء.

والجدير بالذكر، أن غالبية الأتراك موافقون على الإصلاحات الدستورية ويؤيدون فكرة تحويل بلادهم إلى جمهورية رئاسية. وهذا بدوره، يعكس مساندة الشعب التركي لأردوغان، الذي رشح نفسه للانتخابات الرئاسية المزمع عقدها سنة 2019. وفي حال فوز رجب طيب أردوغان في الانتخابات فسيبقى في سدة الحكم إلى غاية سنة 2024، ومن المرجح أن تتيح التعديلات الدستورية لرجب طيب أردوغان فرصة البقاء رئيسا لتركيا إلى سنة 2029.

وفي هذا السياق، يبدو من الجلي أن الرئيس التركي يحترم مبادئ الديمقراطية، إذ أن غالبية الشعب التركي قد صوتوا لصالح التعديلات الدستورية، إلا أن ملامح الديمقراطية التركية لا تستجيب لمقاييس الديمقراطية الأوروبية. والجدير بالذكر، أن الذنب الوحيد لتركيا الذي مُنعت بسببه من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي يتمثل في محافظتها على تقاليدها وثقافتها الإسلامية التي يعتبرها الأتراك أكثر أهمية من عضوية الاتحاد الأوروبي.

ووفقا لما ذكر آنفا، فإن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي يحكم تركيا منذ آذار/ مارس سنة 2013، يعكس إرادة الشعب التركي. وتجدر الإشارة إلى أن الذين صوتوا ضد التعديلات الدستورية كانوا إما من المعارضين لأسلمة الشعب التركي، أو أعداء أردوغان المناهضين لتوجهاته السياسية.

وإذا عرجنا قليلا على تاريخ تركيا، نجد أنها بنيت على أنقاض الخلافة العثمانية، ففي سنة 1920 فقدت السلطنة العثمانية مكانتها بعد أن كان سلطان الدولة العثمانية خليفة كل المسلمين في الأرض. وفي سنة 1924 ألغيت الخلافة نهائيا، ليستبدل بذلك النظام الملكي بالجمهورية التركية. وعلى ضوء هذا التغيير الجذري، قدم مصطفى كمال أتاتورك تركيا في حلة البلد العلماني الجديد، كما قام بإضفاء العديد من العادات الغربية.

وبعد وفاة أتاتورك، حكم البلاد زميله عصمت إينونو إلى أن تمت الإطاحة به سنة 1950. وفي السنة نفسها، عقدت انتخابات جديدة لينال الحزب الديمقراطي حينها تصويت الأغلبية، فتولى عدنان مندريس رئاسة الحكومة، ثم انتخب البرلمان جلال بايار رئيسا للجمهورية التركية. وتجدر الإشارة إلى أن تركيا حُكمت من قبل الجنرالات كما شهدت العديد من الانقلابات؛ ففي سنة 1960 شهدت الجمهورية الفتية أول انقلاب عسكري لها أطاح بجلال بايار وعزل رئيس وزرائه عدنان مندريس.

وفي سنة 1980، شهدت تركيا انقلابا عسكريا آخر، حيث فقدت الحكومة الائتلافية بقيادة بولنت أجاويد السيطرة على الأوضاع فعكرت الفوضى صفو البلاد، لكن كنعان إيفرين تمكن من قيادة البلاد سنة 1980. أما في سنة 1995، حظي حزب الرفاه بزعامة نجم الدين أربكان بأغلبية المقاعد وتمكن من تشكيل حكومة ائتلافية مع حزب الطريق القويم، لكن ذلك لم يحل دون تكرار سيناريو الانقلابات.

في سنة 1997، أصدرت القيادات العسكرية مجموعة من القرارات طالبت من خلالها الحكومة بقطع الطريق على التيارات الدينية، ما أدى إلى سقوط حكومة أربكان. وفي تلك الفترة، كان رجب طيب أردوغان  رئيس بلدية إسطنبول، وبعد سقوط أربكان اضطر إلى تقديم استقالته لكنه في المقابل اعتقل سنة 1999. وبعد مرور عقد من الزمن، تمكن أردوغان من إرساء العديد من الإصلاحات على النظام التركي وتكريس بعض أفكاره.

منذ توليه الحكم، تعرض أردوغان للكثير من المؤامرات لعل آخرها محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت السنة الماضية، إلا أن ذلك لم يمنعه من تغيير المشهد السياسي في البلاد. وبعد فوزه في الاستفتاء، من المؤكد أنه سيتمكن من تحقيق أهدافه، فكيف سيستغل أردوغان الصلاحيات الجديدة لتحقيق مبتغاه؟

السؤال المطروح هنا، ما مدى أهمية الأحداث الداخلية في تركيا بالنسبة لروسيا؟ يهتم الروس باستقرار السياسة الداخلية التركية الذي يؤثر بالضرورة على سياستها الخارجية. ويجدر الأخذ بعين الاعتبار أن فوز أردوغان يقدم فرضيتين أساسيتين وهما:

أولا، هل ستساهم الإصلاحات الدستورية في الحفاظ على استقرار تركيا أم على العكس، ستؤدي إلى تفاقم التناقضات الداخلية؟ قد تساهم التعديلات الدستورية في توليد صراع بين أوروبا العلمانية والمجتمع التركي الإسلامي. علاوة على ذلك، من المتوقع أن تعمل الأطراف المعادية لتركيا وأردوغان على زعزعة الاستقرار باستغلال الصراعات العرقية، خصوصا ملف الأكراد.

ثانيا، سيكون أمام أردوغان خصم شرس، الذي تمثله هياكل غولن المروجة لأفكار فتح الله غولن، وهو ما يجعلها من أخطر القوى الخارجية المهددة لأمن تركيا. بالإضافة إلى ذلك، سيتوجب على الرئيس التركي التعامل مع وكالات الاستخبارات الغربية التي تستخدم عملاء أتراك لخدمة مصالحها الشخصية في تركيا.

ولكن على الرغم من صعوبة الرهانات التي تواجه أردوغان، تظل فرصة العمل على توحيد غالبية المجتمع التركي متاحة أمامه، لا سيما إذا نجحت سياسته الخارجية. وفي الوقت الراهن، لدى أردوغان مسألتين هامتين وهما؛ حرب سوريا والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي، وتتعلق كل هذه المواضيع بصفة مباشرة مع روسيا.

تعد الحرب السورية مهمة جدا بالنسبة لتركيا، إذ أن الرئيس التركي في حاجة إلى إنهاء هذه المسألة التي لا تحتمل التأجيل حتى لا يجر بلاده إلى وضع جيوسياسي خطير. وفي الأثناء، يتعين على تركيا ردع الأكراد ومنعهم من السيطرة على أكبر قدر ممكن من الأراضي السورية على الحدود المتاخمة للأراضي التركية، إلا أنها لن تنجح دون التفاعل والتعاون مع كل من روسيا وإيران.

وعلى الرغم من أن العلاقات التركية الروسية قد شهدت انتكاسة في تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 2015، إلا أن ما حدث في الصيف الماضي أكد وجود إمكانية للتسوية السورية من خلال التنسيق الثلاثي بين موسكو وطهران وأنقرة. وهذا إن دل على شيء فهو يدل على أن هذه الدول الثلاث قد تكون قادرة على التوصل إلى نوع من التسوية بشأن الملف السوري أو على الأقل تمهيد الطريق لحل ينهي الأزمة.

 على مستوى السياسة الخارجية، فإن أردوغان لا يحاول المراوغة أو استغلال التناقضات الروسية الأمريكية، وإنما يسعى لكسب ثقة كل الأطراف. أما على المستوى الداخلي، فإن قمع الانقلاب والفوز في الاستفتاء، يمنح الرئيس التركي ثقة أكبر في سياسته، وهو ما أن يضع على عاتقه مسؤولية أكبر من ذي قبل.

والجدير بالذكر، أنه لا يمكن اعتبار روسيا حليفة رسمية لتركيا، لكن هذا لا ينفي وجود مصالح مشتركة بينهما. ومن هذا المنطلق، فإن التسوية السورية ستمنع نشوب أي صراع بين كلا البلدين وستنقذ العلاقات الثنائية من الانتكاس مجددا. علاوة على ذلك، تجمع بين روسيا وتركيا علاقات ومصالح تجارية ثنائية على غرار الاستثمارات المتبادلة والتعامل في قطاع السياحة وفي مجال الطاقة، وخير مثال على ذلك مشروع "التيار التركي".

وفيما يخص الشأن التركي الأوروبي، يبدو أن أردوغان أغلق فصل ثلاثين سنة من الآمال التركية في عضوية الاتحاد الأوروبي، خاصة بعد المنعرج الجديد الذي اتخذته العلاقات بين الطرفين. وفي المقابل، تمثل روسيا الخيار الأفضل لتعزيز مكانة تركيا في سوق الطاقة من خلال مشروع "التيار التركي"، ناهيك عن المصالح المشتركة في عدة مجالات أخرى.

وعلى ضوء تدهور علاقة تركيا بالدول الأوروبية مقابل التحسن النسبي الذي سجلته على مستوى علاقتها بروسيا، يحاول الغرب مقارنة أردوغان ببوتين فيما يخص سياستهما الداخلية. وفي الواقع، تكمن نقطة القوة المشتركة بين البلدين في أن كليهما لا يولي أهمية لانتقادات المعسكر الغربي ولا يحتاج لأفكاره وتقييمه لسياسة البلدين الداخلية والخارجية.

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس