محمد قدو أفندي أوغلو - خاص ترك برس

قد يبدو غريبا أن تجتمع أغنية للصبر حدود لأم كلثوم مع أمريكا وقضية الخليج لأنها تبدو كأنها لا رابط يجمعها سوية، ولكن إذا قرأنا قصة الأغنية وإشكالاتها ومسيرة غنائها وتعليقات المحللين الموسيقيين وتصنيف علماء النفس نرى أن هناك رابطا قويا بين هذه الأغنية وموضوعنا ومقالتنا.

إن المقام الذي توظفه في الأغنية هو مقام روح الأرواح وهذه التسمية مصرية ولكن في الخليج والعراق يسمى مقام الهزام مع اختلاف بسيط في طريقة تناول المقام. وهذه هي أولى الخلافات رغم أن روح الأرواح والهزام فرع من مقام السيكاه. والشيء الثاني هو أن خلافات حادة نشبت بين محمد الموجي وأم كلثوم ووصلت هذه الخلافات إلى أروقة المحاكم بسبب تأخر الموجي في تلحينها ولكن إجابة الموجي على التهمة كانت محيرة للقاضي وهذه أيضا متشابهة إلى حد بعيد مع المقالة.

والشيء الثالث الذي بت فيه علماء النفس مؤازرة مع أصحاب الأذن الموسيقية بأن الأغنية لها وجهين مختلفين متضادي الوجه، الأول مفرح عندما يسمعه الشخص وهو فرح، والوجه الثاني للأغنية محزن عند حزن الشخص، أي أن الأغنية مقدرة تقديرا متناسبا مع حالة الشخص في فرحه وحزنه، وبنفس الوقت تتباين الاغنية في لحظة سماعها بين شخصين كل يدعي لوعته وسروره، وهذه أهم وأقرب حالة تصاحبنا في مقالتنا.

مما لا شك فيه أن التصريحات الأمريكية حول أزمة الخليج الحالية كانت متباينة بالتمام والكمال، فالرئيس الأمريكي وهو التاجر القديم والذي لا يقبل الخسارة قد استنفد كل أدواته في سبيل إضفاء اللون الضبابي للقضية وهو الذي حير المحللين السياسين، وفي نفس الوقت تم تفسير تصريحاته بما تشتهي مسامع الدول المعنية، ومما زاد من ضبابية الموقف الأمريكي أيضا التصريحات المتناقضة للمسؤولين الأمريكيين الآخرين كوزيري الدفاع والخارجية والناطق الرسمي للبيت الأبيض.

إن تباين التصريحات الأمريكية يعطي دلالة واضحة على مكانة الدولتين السعودية وقطر بالنسبة لأمريكا، فهي لا تستطيع الاستغناء عنهما معا، وهذه حقيقة لا يختلف عليها اثنان لأن السعودية تتزعم الخليج والدول العربية قاطبة، وهي إحدى الدول القيادية في العالم الإسلامي، وباستطاعتها حشد تأييد دولي وشعبي واسع معها.

أما قطر فهذه الدولة الضغيرة المساحة والكبيرة بأفعالها، والتي أثبتت أنها دولة رائدة توظف كل إمكاناتها لخدمة الإنسانية جمعاء من خلال الكثير من جمعياتها الخيرية. والتي أصبحت تلك السمة الظاهرة في سياسة الدولة تقترن باسمها، وهذه ما أكده الناطق باسم الأمم المتحدة، هذا في حال لم نُعِر أية أهمية للقاعدة الأمريكية في قطر.

إن تلك الضبابية التي أحاطت بتصريحات المسؤولين الأمريكان حول الخلافات مع قطر تذكرنا بلقاء السفيرة الأمريكية في العراق مع الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين بعد نشوء الخلافات العراقية الكويتية وقبل الاجتياح العراقي للكويت، والتي كانت مبهمة، وقد تم بالفعل التنصل من تصريحات السفيرة ولكن الذي حصل حصل.

وبعيدا عن أمريكا وعن طريقة التصريحات ورغم كل الضبابية والتأويل تبقى هناك حقيقة دامغة لا شك فيها، هي أن السعودية وقطر سيلتقون من جديد عاجلا أم آجلا، وإن الخطوات الأخوية التي تتلاحق تباعا تعطي دليلا واضحا بأن تلك الخلافات هي آنية وليس لها ما يبرر استمرارها، وليست هناك أية دعائم لتثبيتها بل هناك ألف سبب وسبب لوضع حد لها مع عدم وجود سبب لاستمرارها، رغم حصولها.

إن السعودية وهي تتزعم الخليج وتتزعم الدول العربية وهذا يليق بها، وهي أهل لتحمل هذه المسؤولية الجسيمة لكون مواقفها المشرفة الدائمة هي عنوان سيرتها قادرة على إنهاء تلك المسألة وتلك الخلافات اليوم قبل الغد، وإن الرسائل التي صدرت من دولة قطر تؤكد أنها غنية عن أية خلافات تنشأ مع الأشقاء ومع السعودية تحديدا، وكذا القرارات الاخوية المسؤولة التي اتبعتها قطر في سبيل تحجيم مسألة الخلافات بين الأشقاء.

إن كل الدلائل تشير إلى أن السعودية قد تفاجئ العرب والمسلمين قبل نهاية الشهر الفضيل بمبادرة خلاقة تنهي الخلافات، وإن الدعوات الأخوية المخلصة والمساعي التي تقوم بها أطراف عدة كالكويت وتركيا وغيرها لا بد أن تؤخذ بنظر الاعتبار لأن السعودية كانت دوما تبحث عن ما يقرب الأشقاء بالأشقاء والأصدقاء بالأصدقاء، وكيف هي والمسألة رهن إشارتها أولا وأخيرا.

كما أن كل ما تم وصدر من دولة قطر يوحي بأنها مطمئنة للمواقف الأخوية السعودية، وتدرك تماما أن السعودية غير معنية بتطور تلك الخلافات ولا معنية وليست راغبة باستمراريتها إطلاقا، لذا فالأمل معقود على بادرة تفاهم أخوي مبكر تجمع الإخوين معا.

عندها تكون أغنية للصبر حدود مفرحة للجميع سواء كانت من مقام روح الأرواح أو من مقام الهزام فالكل يتبع السيكاه.

عن الكاتب

محمد قدو أفندي أوغلو

باحث في الشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس