ترك برس

تعتبر الجمهورية التركية التي تأسست بتاريخ 29/10/1923 وريثة الإمبراطورية العثمانية التي بدأت في الانهيار في أواخر القرن 19م، وتعرضت في الحرب العالمية الأولى سنة 1914م إلى غزو الحلفاء الأوروبيين الذين قاموا باحتلال جزء من الأراضي التركية المسمى بالأناضول، ومن ثم قام الجيش التركي بتحريرها بعدة حروب ضد قوات الحلفاء في الأراضي التركية يطلق عليها المؤرخون الأتراك اسم "حرب التحرير" قادها مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك.

ومن الجدير ذكره بأن المشهد الذي يتبادر إلى أذهان الكثيرين عن تركيا هو مشهد الآذان الشامخة والقباب الضخمة, ومسجد آيا صوفيا والسليمانية.. والقصور المترفة المزينة بالخطوط العربية والزخارف الإسلامية.. والبنايات الحديثة التي تضم بداخلها المطاعم والمقاهي.. والتي تعتني بها الإدارات المحلية التركية بشكل كبير..

لعل من أكثر الأمور أن نشهد صحوة إسلامية حقيقية في بلد شديد العلمانية مثل تركيا, حيث لم يكتفوا العلمانيون بفصل الدين عن السياسة إنما قاموا ببناء علمانيتهم على أساس محاربة الدين في أصوله وفروعه وجوهره وهذا من أيام أتاتورك إلى زماننا الآن.

ومع العلمانية الشديدة تلك إلا أن الإسلام ظل باقيا في هذه البلاد العظيمة وهو أمر لافت للانتباه حقا، حيث يدل ذلك على أن هذه الأمة الإسلامية أمة كريمة لا تموت، وأن بقاء الإسلام أمر حتمي لا يمكن مقاومته، ويدل على أصالة الشعب التركي ومواجهة الطاغوت أتاتورك.

بعد سقوط الخلافة العثمانية سنة 1924م وبالرغم من غياب بعض الرموز الإسلامية، حيث قامت حركة (الشيخ سعيد بيران) للمناداة بعودة الخلافة الإسلامية ومناهضة العلمانية ولكن الطاغية أتاتورك جابه هذه الحركة وأعدم الشيخ بيران وعددا من أتباعه.

ومع ذلك هذه الحركة لم تمت بل ازدادت قوة بظهور نجم جديد من أتباع (الشيخ سعيد بيران) هو (بديع الزمان النورسي) الذي أعلن بوضوح رفضه لمبادئ العلمانية الوقحة التي أتى بها أتاتورك فنفي إلى مدينة نائية بتركيا (بوردو) ثم (أورفه) وظل في المنفى طيلة حياته ولكن رسائله إلى أتباعه داخل تركيا لم تنقطع ومؤلفاته لم تتوقف وهو أحد أهم أسباب انتشار الإسلام بتركيا.

وبعد سقوط الخلافة بـ6 سنوات وفي خطوة لترسيخ العلمانية بشكل أكبر قامت الحكومة الأتاتوركية بغلق مدارس الأئمة والحُفَّاظ التي كانت تقوم بتخريج الطلبة المتخصصين في العلوم الدينية، لكن بعد وفاة أتاتورك سنة 1938م عادت المطالبة من جديد بفتح هذه المدارس خاصة في القرى وفي نفس السنة تم إنشاء بعض الجمعيات الإسلامية للمناداة بمظاهر الإسلام منها جمعية الإسلام، والتطهير..

وفي سنة 1950م أصبح (عدنان مندريس) رئيس وزراء، لم يكن إسلاميا بل كان وطنيا يريد مصلحة تركيا، حيث نشط الاتجاه الإسلامي نسبيا فازدادت أعداد مدارس الأئمة والوعاظ وبروز علماء الدين بشكل أوضح. لكن الجيش التركي الذي يقوم بدور حامي العلمانية والأتاتوركية قام بانقلاب دموي رهيب عام 1960م حيث نفذ حكم الإعدام في مندريس وعدد من أتباعه مع التصدي للتيارات الإسلامية بمنتهى العنف.. وقد ظل الوضع قائما على هذا الحال إلى أن ظهرت شخصية محورية في تاريخ تركيا، القائد الإسلامي الجليل (نجم الدين أربكان) الذي أسس حزب السلامة سنة 1972م، كان ينادي بإقامة النظام العادل وكان يبدو إصلاحيا وطنيا.

وقام النظام التركي العلماني بحله لكن أربكان أنشأ حزبا آخرا هو حزب الرفاه والذي كانت توجهاته إسلامية واضحة، حيث سيطر هذا الحزب على أهم مدينتين أنقرة وإسطنبول، وفي سنة 1996م أصبح أربكان رئيسا للوزراء ليصبح أول رئيس وزراء إسلامي منذ سقوط الخلافة.

وقد نجح نجم الدين أربكان في خفض ديون تركيا خلال عام واحد من 38 مليار دولار إلى 15مليون دولار واقترب من حل المشكلة الكردية العويصة، ونجح في إقامة علاقات دبلوماسية قوية على الساحة العلمانية وتقدم الاقتصاد التركي. هنا شعر الجيش التركي بالخطر العظيم فقام بانقلاب عسكري ثم حل حزب الرفاه وقدم أربكان إلى المحاكمة العسكرية بتهم كثيرة منها انتهاك علمانية الدولة ومنعه من مزاولة النشاط السياسي مدة5 سنوات، وأردوغان أيضا حكم بتهمة إثارة الفتنة حيث حكم عليه سجن 10أشهر لكن سجن فقط 4أشهر وأفرج عنه لحسن سيره وسلوكه ومنع أيضا من مزاولة النشاط السياسي مدة 5 سنوات.

لكنهما لم ييأسا بل أسسا حزبا جديدا أسماه حزب الفضيلة عام 2000م حيث انضم إليه (عبد الله غُل) لكنهما وجدا أن هذا الحزب مصيره سيكون كسابقه تركاه وأسسا حزبا آخرا هو العدالة والتنمية سنة 2001م نفذا فيه مشروعهما الإصلاحي وقد وجد الحزب قبولا كبيرا في الأواسط التركية الشعبية ومنه أصبح أردوغان رئيس وزراء تركيا.

إن تركيا دولة ذات سمات إسلامية، الإسلام وفكره متجذران في المجتمع، مع ذلك انفتحت تركيا على الغرب العلماني وسايرته في أغلب الأمور ذات العلاقة بالمسلمين ودولهم ومجتمعاتهم ومشاكلهم وأزماتهم، التفاتة تركيا صوب الغرب كان لضعفها الاقتصادي والعسكري، رغم ذلك همش الغربيون دورها لفقرها أولا ومكانة اقتصادها المتدنية ثانيا، كان الفرد التركي في أوروبا مثال تندر، يسخر الغربيون من تخلفه وثقافته لا بل تدينه وإن أراد العمل فما عليه إلا القبول بأعمال يستنكف الغربيون القيام بها.

وكان كثير منا يعتقد أن بين تركيا وأوروبا الغربية بونا اقتصاديا شاسعا لن يستطيع حفدة الخلافة العثمانية تجاوزه.

عن الكاتب

سمية حساني

طالبة علم ومدونة من الجزائر، ماستر علوم إسلامية تخصص دعوة وإعلام واتصال، أهوى القراءة وتروق لي الكتابة.. مهتمة بالتاريخ الإسلامي وصناعة الأفلام. هواياتي: تعلم اللغات، التصوير..


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس