Banner: 

ترك برس

كانت الدولة العثمانية تخصص هدايا كثيرة ﻷول شخص يرى هلال رمضان ويبشر بدخول الشهر الفضيل، و يستقبل الشهر ببهجة كبيرة في القصر السلطاني، بصحبة التهنئات للسلطان من سفراء الدول الأجنبية.

وتتم دعوة العامة من المسلمين وغير المسلمين إلى الإفطار في القصر السلطاني، من أجل إرساء الألفة بين المسلم وغير المسلم، وكان يتم توزيع وجبات مجانية على جميع الضيوف طوال شهر رمضان حتى ليلة القدر.

ويأمر رجال الدولة بنحر الأضاحي المختلفة في الأماكن العامة والساحات الواسعة أو على أبواب إسطنبول، مع الأمر بتوزيع هذه اللحوم على الناس خاصة الفقراء منهم وذوي الحاجة.

وكان يتسابق رجال الدولة والمسؤولون الكبار في الحكومة العثمانية، في أعمال الخير لتقديم أفضل ما لديهم لعامة الناس، فكانت أبواب منازلهم وقصورهم مفتوحة من قبل المغرب إلى الفجر، ليفطر العامة وقت المغرب على مقاعد مخصصة لهم.

وبعد انتهاء الناس من الطعام، كانت تقدم لهم الهدايا، وكانت تسمى "أجر الأسنان"، بسبب إجابتهم للدعوة مما يكسب صاحب الدعوة اﻷجر والثواب.

ولا تُوزع الهدايا على مُلبّي الدعوة فقط، بل على الخدم والعاملين لدى مؤسسات الدولة والمسؤولين، ولم تكن مجرد هدايا رمزية بل كانت هدايا قيّمة وغالية من خزاناتهم.

وذكر الرحالة العثماني الشهير، أوليا جلبي، عن الصدر الأعظم ملك أحمد باشا في عهد السلطان محمد الرابع (و الذي حكم من 1648 حتى 1687)، أنه كان يقوم بتوزيع أشياء غالية الثمن ذات قيمة عالية من خزانته الخاصة على خدامه والعاملين لديه في رمضان مثل الملابس الجديدة، وأوعية للطعام، وأسلحة، ودروع، وبنادق مرصعة بالجواهر، وسيوف، وفراء السمور، ومسابح مرجانية، وكل ذلك في مقابل أن يدعو له ويذكروه في صلواتهم.

وقد كان هذا الوزير في كل مساء من يوم الاثنين والجمعة طوال الشهر يفتح أبواب منزله لتقديم الأطعمة وعصير الفواكه والحلويات والفستق واللوز، وذلك في أثناء جلوسهم للاستماع إلى تلاوات من القرآن الكريم.

وتعد دعوة الصدر الأعظم لرجال الدولة للإفطار على مائدته، من أهم دعوات الإفطار، ولم تكن تقام هذه الدعوة إلا في اليوم الرابع من شهر رمضان، كي يتسنى لرجال الدولة اﻹفطار مع عائلاتهم في الأيام الأولى، وكان العلماء من أوائل المدعوين لهذه المائدة، التي كانت تنتهي في اليوم الرابع و العشرين من شهر رمضان.

وقضت المستشرقة والكاتبة اﻹنجليزية دورينا نيف، 26 عاما من حياتها في إسطنبول. وقد أكدت استمرار هذه العادات الرمضانية بالمدينة حتى نهايات القرن التاسع عشر في عهد السلطان عبد الحميد الثاني (الذي حكم من 1876 حتى 1909)، بقولها:

"وحدث أن قمنا بزيارة إلى اﻷسواق في أثناء رمضان، وفي هذا الموسم تجد أن الأتراك يصومون طوال النهار، ويحتفلون طوال الليل... وكان أفراد الطبقة الثرية يضطرون إلى فتح أبواب منازلهم طوال الشهر ﻹطعام أي شخص بحاجة إلى الضيافة من فترة غروب الشمس وحتى بزوغ فجر اليوم الجديد".

كما كانت تعطى الهدايا للأطفال الذين يصومون أول مرة، والأطفال الذين لا يستطيعون صيام كل اليوم فيصومون فترة معينة من النهار، وغالبا ما تكون من الإمساك حتى وقت الظهيرة، حيث يتم تفطيرهم من قبل ذويهم ويسمى صيامهم "صيام القارب".

وإذا نظرنا إلى يوم إسطنبول في رمضان في العهد العثماني، نجد أن محلات و مقاهي المدينة كلها مغلقة في الصباح قبل ميعاد اﻹفطار، وتعمل هذه المحلات من بعد الإفطار وحتى آذان الفجر على ضوء المصابيح.

وإذا أراد أحد المارة في الشوارع أن يشرب شرابا أو عصيرا، فما عليه إلا أن يذهب إلى سبيل من السبل العامة التي يؤمر بأن تملأ بالشراب والعصائر، بدلا من الماء طوال الشهر الكريم.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!