ياسين أقطاي - يني شفق

ستقام اليوم، الإثنين، مراسم بدء الرئيس رجب طيب أردوغان مهام عمله كأول رئيس جمهورية في النظام الجديد لتركيا، وهي المراسم التي لن تتابَع في تركيا فحسب، بل وفي العالم أجمع باهتمام بالغ. فالبعض سيتابع بفرحة وحماس كبير، وكأنهم يشاركون بها، ولو عن بعد، بشكل معنوي، والبعض الآخر سيتابعون وهم يعضون على أيديهم والحقد يعتصر قلوبهم، بل إن بعضهم لن يقدر على المتابعة من الأساس وسيكتفي بوضع أصابعه في آذانه وهو يعتبر إقامة مراسم كهذه دربا من دروب النحس.

وأما قادة التغيير فهم لا يتمتعون بخاصية إسعاد الجميع والظهور أمامهم بمظهر يرضيهم كافة؛ إذ إن الزعماء الحقيقيين وأصحاب المبادئ الحقة يسعدون البعض ويغضبون آخرين.

لقد تابع الجميع حول العالم، بالطبع بتوقعات متباينة، الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي أجريت في تركيا الشهر الفائت. وكنا قد قلنا هذا سابقا، ولنضف أنه لا يوجد أي دولة، ربما باستثناء الولايات المتحدة، تحظى انتخاباتها بمتابعة بهذا القدر من الاهتمام والتطلعات المعقودة عليها.

إن هذا الاهتمام لم يكن مقتصرًا فقط على الانتخابات الأخيرة؛ إذ دعونا نتذكر الانتخابات السابقة التي حظيت باهتمام مماثل عندما استقبلت نتائج انتخابات 7 يونيو/حزيران 2015 - على سبيل المثال - بسعادة بالغة وكانت كالعيد في بعض المحافل في تل أبيب والفاتيكان وواشنطن والعديد من العواصم الأوروبية. بيد أنها كانت سببا في موجة حزن عميق في العديد من المدن الإسلامية، التي كانت تتابع الانتخابات بالاهتمام ذاته، مثل غزة والقدس ومكة والخرطوم ومقديشو والقاهرة. ولقد انقلبت هذه الأدوار رأسا على عقب بالإعلان عن نتائج انتخابات الأول من نوفمبر/تشرين الثاني من العام ذاته؛ إذ شعرت تل أبيب هذه المرة بألم الهزيمة في عقر دارها. لقد كان الاهتمام قائما دائما، لكن يمكن القول إن الاهتمام بنتائج الانتخابات التركية في الآونة الأخيرة زاد بشكل مطرد في مختلف مناطق العالم.

دعونا نعترف بأنه حتى ليس هناك داعٍ لقول هذا الأمر الذي يأتي نتيجة أن تركيا تحمل إمكانيات الخيار الوحيد بالنسبة للنظام الدولي القائم حاليا، وأنها أحيت مؤخرا آمال استغلال هذه الإمكانيات. فالعالم ينتظر بشرى جديدة، صوتا ونفسا جديدا، وهذا الصوت يعلو الآن من داخل تركيا والعالم أجمع يصغي لهذا الصوت الذي يحاول مظلومو العالم الذين حكم عليهم بالغرق بين أمواج النظام الدولي الحالي أن يتنفسوا من خلاله. لا ريب أن تركيا لن تستطيع الوصول إلى كل مكان، على اعتبار قوتها وقدراتها، بيد أن الأماكن التي تستطيع الوصول إليها والأيدي التي تستطيع مد يدها إليها تكفي لتحويل الأمل إلى ألف نفَس.

إن النموذج الجديد التي تقدمه تركيا قد فتح الطريق أمام كل نظام نائم في العالم الإسلامي منذ قرن من الزمان ليستيقظ من سباته ويحيا من جديد. وعندما يحيا الأمل يحيا إيمان الإنسان بأنه قادر على تغيير مصيره والعالم بأسره لأنه كائن صاحب تأثير كبير في هذه الحياة.

أوليس هذا هو أكثر شيء نحتاجه في العالم الإسلامي؟ فمن يؤمنون بأنهم غير قادرين على تغيير شيء ينغلقون على أنفسهم ويخاصمون الحياة ويتبنون عقيدة مبررة بهذه الطريقة أو تلك. والنتيجة الحتمية لهذا تكون الكسل والسوداوية الكئيبة والقدرية المتشائمة.

والأخطر من ذلك أن مَن يقطعون علاقتهم بعالم السياسة يكون أمامهم خيار إمكانية تغيير العالم عن طريق العنف الذي سقطوا في براثنه. ويبدو تصعيب الأمور خيارًا معقولًا في لحظة ما بالنسبة للبعض بوصفه الطريق الوحيد لتكييف مذهب فقهي اعتقد الجميع أنه قطع علاقته بالحياة بشكل كبير مع الحياة من جديد. وفي الحقيقة فإنهم عندما يفشلون في تحقيق هذا الأمر، فلا مفر من اختزال علم الفقه في نص لا يمكن المساس بحرف منه وشيء مقدس لا يمكن مس أي ركن من أركانه، على مستوى محاولة ذهنية، وذلك لأنه يصير عديم الفائدة.

ولقد فتح الأداء السياسي الذي تشهده تركيا آفاقا جديدة للغاية أمام الفقه السياسي الإسلامي. فتركيا تضع بصمتها المؤثرة للغاية في هذا المجال في كل ركن من أركان العالم الإسلامي الذي يتابع أخبارها اليوم باهتمام كبير.

إن كثيرا من الأكاديميين أو المفكرين أصحاب الاتجاه السلفي أو الأصولي بدأوا يعدلون أفكارهم القديمة في مجال فقه السياسة من خلال النموذج التركي الذي يعتبرونه اجتهادا جديدا في مجال السياسة الإسلامية. وبهذه الطريقة يصير من الضروري فتح باب الاجتهاد، الذي تحول إلى قبول تقليدي انغلق منذ مئات السنين، هذه المرة من خلال طريق صحيح، من خلال مطالب المسلمين ومساعيهم وبناء على احتياجات المخلصين منهم الذين يبحثون عن طريق لصحوة إسلامية.

المقاصد العلمية وطريق الاجتهاد الجديد

لقد فكرت في كل هذه الأفكار بعدما تابعت الندوة التي حملت عنوان "رؤية المقاصد وتأثيرها على صحوة المسلمين" التي نظمتها الحركة الوسطية العالمية في إسطنبول الأسبوع الماضي بالتعاون مع هيئة العلماء المسلمين في العراق. وقد حظيت الندوة بمشاركة عدد كبير من العلماء من مختلف الدول الإسلامية. وكانت بمثابة استجابة من العلماء المسلمين للدعوة التي أطلقها الرئيس أردوغان خلال الأشهر الماضية بشأن تجديد بعض الخطابات أو المقاربات التاريخية المسندة إلى الإسلام.

وبطبيعة الحال فإن أهم إمكانية فقهية من أجل تجديد كهذا كان علم المقاصد القائم على التركيز على مقاصد أحكام الإسلام. فهذه الطريقة هي طريق يمكن فتح الباب أمامه عن طريق اكتشاف الفكرة الأساسية الموجودة في أصل الأحكام.

لا ريب أن هناك شروطا للجوء إلى هذه الطريقة. وقبل أي شيء، مهم جدا معرفة من يرغب فتح الباب أمام السير في هذا الطريق ولماذا؟ أي أن الأهم من مقصد من وضع الحكم هي مقاصد من يقولون بضرورة تغير هذا الحكم في يومنا الحالي.

ولقد كان علم المقاصد قد فتح شهية المحتلين في العالم الإسلاميّ؛ إذ كان أمرًا جاذبًا دائمًا بالنسبة لهم كطريق ييسر احتلالهم وسيطرتهم على المسلمين أو إضفاء صبغة شرعية عليه أو إفراز إسلام جديد يكون على هواهم.

وفي نهاية المطاف، إذا كنا نتحدث عن المقاصد، فنحن نتحدث عن مجال تفسير شيء لا نهاية له. ولا شك أن الوصول إلى الصواب موجود في كل تفسير، لكن الأساس في هذا الأمر هو الإخلاص. فماذا يمكن لمن لا يحملون "مقصدًا" سوى بسط النفوذ على المسلمين من تفسير سوى تحريف أحكام الإسلام؟

وبطبيعة الحال يلزم لمن يركزون على مقاصد الأحكام الإسلامية أن يكون لديهم، إلى جانب الإخلاص، أيدولوجية عميقة وعلوم التفسير والنفس والاجتماع.

إن وعي كل من كانوا في الورشة التي وضعت علم المقاصد كرؤية، وتأكيدهم على كل هذه الأمور، أعطانا إحساس قويا بأننا نسير هذه المرة في الطريق الصحيح.

عن الكاتب

ياسين أقطاي

نائب في البرلمان التركي ونائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ومسؤول الشؤون الخارجية في الحزب


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس