ياسر عبد العزيز - خاص ترك برس

نبرة التحدي الأمريكية الصادرة عن صاحب الصوت الأجش ضد تركيا تتزايد حدتها وتتبلور في صورة عقوبات وتضييقات لخنق الاقتصاد التركي بهدف زعزعة استقرار تركيا الحليف السابق وصولا لحراك شعبي يهز أركان الدولة، ولأن الغباء لا دين له فلا جنسية له حتى ولو كان صاحبه يحمل جواز سفر أكبر دولة في العالم تهدد أساطيلها المتمركزة في النقاط الاستراتيجية في البحار والمحيطات أنظمة الدول الديمقراطية وتحمي النظم الفاشية والممالك الوراثية ضاربين بمبدأ حكم الشعب وتداول السلطة عرض الحائط.

إدارة الفيل الجمهوري الأمريكي الذي دخل معرض الخزف وبدأ بالفعل في تكسير الأواني، لم يترك عدو ولا صديق إلا وفتح عليه النار موسعا الخرق عليه، واضعا أمام عينية المكاسب المادية القريبة دون النظر للعلاقات الاستراتيجية لبلده مع محيطه الإقليمي ولا الدولي، بدا الرئيس الأمريكي عقوباته على كندا الجار عابرا البحر إلى أوروبا الحليف القديم وزميل السلاح في الحرب العالمية الثانية التي انتجت توزيع النفوذ في العام، ثم يجدد ترامب عقوباته على روسيا ويزيدها على الصين بالإضافة إلى ما نالت تركيا من نصيب مما وزع الرجل من عقوبات في أقل من شهرين.

 رد الفعل التركي على هذه العقوبات والتضيقات كان سريعا وموجعا بالاتجاه شرقا وغربا إلى الصين وروسيا من جهة وإلى أوروبا من جهة أخرى، فوجد الدعم من تلك الدول التي تعاني الغرسة الامريكية منذ زمن وتسعى للتخلص من تلك الغطرسة والخروج من عباءة الدولار بتدابير طويلة الأمد تفضي في النهاية إلى لاستقلال اقتصادها بإنشاء اقتصاديات بديلة في زمن أحادي القطبية.

اعتادت أمريكا في السنوات العشر الأخيرة أن تصدر قائمة بالدول التي لا تمشي في ركاب قطعانها الذين ترعاهم وتسمنهم من أجل حلبهم، والدول المارقة في تعريف أمريكا هي تلك التي تخضع لنظام شمولي تعطل فيه القوانين والقضاء والدستور والحريات الشخصية والعامة محتكمة لقول الرئيس الملهم الذي يقضي بهواه ويحكم بحسب مزاجه دون حساب ولا رقيب.

هذا التعريف ينسحب على كثير من تلك الدول التي ترعى أمريكا حكامها من أجل دفع الجزية، أو حماية ناهبي خيرات الشعوب من خلال الشركات الأمريكية المحمية بالأساطيل المرابطة في مياههم الإقليمية، وتسعى أمريكا اليوم ومن خلال عملائها أن ترسم هذه الصورة لتركيا، وهو صعب المنال لعدة أسباب، أولها تلك الديمقراطية الراسخة في تركيا والتي كادت تقوض من قبل العسكر المدعومين من أمريكا نفسها، وثانيها ذلك الرصيد الكبير للحكومة التركية لدى الشعب التركي من ناحية ولدى الشعوب العربية والإسلامية من جهة أخرى وهو ما يعني أن هذه الحيلة لن تمرر المحاولات الأمريكية للنيل من تركيا.

استراتيجيا لا يمكن ان تصنف تركيا من الدول المارقة لأهميتها الاستراتيجية لأوروبا التي باتت تخشى من تخلي الولايات المتحدة عنها بعد خطابه في اجتماع حلف الناتو متوعدا برفع الحماية في حال لم يدفعوا، فتركيا التي تمتد لمساحة شاسعة على الجانب الشرقي لحلف الناتو، في وقت يعني ظهور روسيا مجددا على الساحة زيادة الأهمية الاستراتيجية لمنطقة البحر الأسود وهو ما يجعل من تركيا خط الدفاع المتقدم لأوروبا، كما أن تركيا تظل شريكا فعالا لأوروبا، حيث تنهض بدور بالغ الأهمية في مساعدتها في التصدي لتدفق المهاجرين نحو الغرب، إذ تستضيف تركيا وحدها ما يزيد على 3.5 مليون لاجئ من سوريا المجاورة التي تشهد حربا أهلية منذ سبع سنوات، كما أن أوروبا الغير راضية عن العقوبات الأمريكية على إيران، لما سيسببه ذلك من فقدها موردا للطاقة، تضع على تركيا الأمل في فتح آفاق لتلك الامدادات في ظل رغبتها العارمة في تقليل الاعتماد على الإمدادات الروسية.

وأخيرا فإن الخبراء الاستراتيجيين الأمريكيين لن يخضعوا لنزوات ترامب بوضع تركيا على قائمة الدول المارقة لأن أمريكا نفسها لا تستطيع على الأقل في الوقت الحالي الاستغناء عن القواعد الجوية التركية في وقت يتمدد فيه النفوذ الروسي تجاه البحر المتوسط.

أخيرا، فإن نزوات الطائش المدلل لن تفلح طالما أن هناك ساسة ومخططين استراتيجيين يسوسون العالم بعقلية لاعب الشطرنج لا بعقلية لاعب المصارعة التي انخرط فيها ترامب لفترات طويلة فأثرت كثيرا على طريقة تفكيره. 

عن الكاتب

ياسر عبد العزيز

كاتب وباحث سياسي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس