ياسر عبد العزيز - خاص ترك برس

بعد أن قدمت وزارة الدفاع الأمريكية تقريرا إلى الكونغرس يشرح بالتفصيل الآثار المترتبة على تلقي تركيا 100 طائرة مقاتلة من طراز F-35، والذي أزال عقبة رئيسية أمام إبرام الصفقة. فإن ورقة الضغط التي كان يمتلكها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإيقاف صفقة تركيا لشراء منظومة الدفاع الجوي الروسية المتطورة (S400) قد ضعفت كثيرا، وقد زاد من ضعفها خسارة حزبه في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.

مع ذلك فإن ترامب العنيد لن يستسلم مع هذه المعطيات، بل على العكس فإن الأدرنالين سيكون له دور كبير في هذه القضية، فترامب المتشابكة علاقته بالرئيس التركي، والتي لا يمكن أن توصف بالمستقرة حتى بعد الإفراج عن القس الأمريكي، والتي استفاد منها ترامب على المستوى الشخصي بشكل أو بآخر دون أن يستفيد منها حزبه.

 وعلى الرغم من لقاء الرجلين الأخير في باريس على هامش الاحتفال بمرور مائة عام على نهاية الحرب العالمية الأولى، ذلك اللقاء الذي وصفه ترامب بأنه ممتاز مشيرا إلى العلاقات التركية الأمريكية المتميزة، فإن للحديث ما وراءه، فملفات كثيرة مفتوحة اتخذت فيها تركيا خطوات متقدمة أحرجت بها الرئيس حديث العهد بالسياسة، فمباراة الشطرنج تقول نتائجها أن العثماني متقدم على راعي البقر، رغم استخدام الأخير قوته المفرطة بفرض العقوبات لهدم المعبد، فالتركي في المقابل اختار أن يلعب مباراة هادئة يتآكل فيها جيش الخصم حتى يسقط الملك.

العلاقات التركية الأوروبية التي تتنامى وتتقارب بعد فترة فتور خطوة جديدة في تنفيذ الخطة التركية في مباراتها مع راعي البقر، فالقمة الرباعية في إسطنبول، والتي جمعت كلا من ألمانيا وفرنسا مع روسيا في ضيافة أنقرة، كانت كفيلة بخلط أوراق ترامب، لاسيما وأن علاقاته بأوروبا تشهد حالة من التراجع الشديد، وقد ظهر ذلك في لقاء ترامب بماكرون في باريس الأسبوع الماضي والذي أظهر الفجوة التي تتسع بين البلدين، هذه الفجوة التي عبرت عنها المستشارة  الألمانية أنجلا ميركل برغبة أوربا في إنشاء جيش أوروبي موحد للاستغناء عن القوى الخارجية، قاصدة بذلك أمريكا بالطبع.

ولم تكن إدارة تركيا لملف قتل الصحفي المغدور جمال خاشقجي إلا جزءا من خطة مباراة الشطرنج تلك، فلقد استفادت تركيا بشكل كبير من الزخم العالمي للجريمة اللا أخلاقية في صناعة رأي عام عالمي لإدانتها ومن ثم إحراج ترامب في تأييده المطلق لولي العهد السعودي المعزول الآن عالميا بعد أن كان متصدرا للمشهد لاسيما بعد اختياره لعب دور عراب صفقة القرن التي يعول عليها ترامب لاستعادة قوته أمام الديمقراطيين.

ترامب يلعب الآن على فزاعة روسيا التي ستجد لها موطئ قدم في خط دفاع متقدم للناتو في تركيا لإرهاب كل من الكونجرس الذي بات ديمقراطيا، وأوروبا التي تسعى للانفصال بجيش أوروبي موحد، فالرجل يحاول من خلال رجاله تمرير أن تسليم الطائرة F35) )  سيمكن الروس من تحليل تكنولوجيا التخفي الموجودة في الطائرة، كما أن منظومة الدفاع الروسية يمكنها اصطياد الطائرة الأكثر تطورا في أمريكا F35) ) والتي تطير بالفعل في نطاق عمل منظومة الدفاع الروسية والتي تبلغ مداها 250 ميل.

كما أن، والكلام لازال لترامب، السماح لتركيا بالحصول على هذه المنظومة الدفاعية معناه تغير شكل العلاقة بين أمريكا وتركيا التي طالما كانت حليفا مطيعا.

قد يواجه ترامب صعوبة في إقناع الكونجرس لكنه يملك ورقة ضغط لاسيما وأن ملف السياسة الخارجية بيده، إن مخاوف ترامب من منظومة الدفاع الجوي الروسي S400 ليست عسكرية وإن حاول إظهار ذلك، بل هي بالأساس سياسية تمس نفوذه وقوته وفرص فوزه في الانتخابات الرئاسية القادمة، لذلك فلا أستبعد عقوبات جديدة على تركيا يفرضها راعي البقر الذي لا يجيد إلا لغة إطلاق النار على الخصوم، حتى وهو يلعب مباراة للشطرنج.

عن الكاتب

ياسر عبد العزيز

كاتب وباحث سياسي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس