ياسر عبد العزيز - خاص ترك برس

القرار الأمريكي بسحب قواتها من سوريا والذي تزامن مع تصريحات مسئولين في البيت الأبيض بأن قواتها في سوريا تقترب من نهاية حملتها لاستعادة جميع الأراضي التي يحتفظ بها تنظيم الدولة، التصريح الذي يتوافق مع تغريدة ساكن البيت الأبيض الذي يدير العالم عبر تويتر (لقد هزمنا تنظيم الدولة في سوريا ، وهذا هو السبب الوحيد لوجود قواتنا هناك خلال رئاستي) بعث الفرح لمتابعي الشأن التركي، فتوقيت القرار يخدم بشكل كبير الحملة التي تعدها تركيا على شرق الفرات لمحاربة مليشيا حماية الشعب الكردية ومليشيا سوريا الديمقراطية الانفصالية، ومنهم من يراه نصرا عظيما لاسيما وأن العقبة كانت في تلك الحملة تكمن في القوات الأمريكية المتمركزة في مناطق الأكراد الانفصاليين، لكن السؤال هل أمريكا ستخرج من سوريا خدمة لتركيا، أم خوفا من الانغماس في مستنقع سوريا، أم تلبية للطلب الروسي الذي أكد على أن خروج أمريكا سيحل الأزمة السورية، أم أنه، كما يقول البعض تطبيقا لاستراتيجية الانكفاء على الذات التي بدأها أوباما ورسخها ترامب بشعاره الانتخابي (أمريكا أولا) وهو ما سيقلل  نفقات أمريكا في بؤر الصراع؟

في الغالب أو في حقيقة الأمر، أمريكا لم تنشر قواعدها وحاملات طائراتها لحفظ الأمن في العالم كما تحاول أن تروج شعبيا، وإن كان السياسيون في العالم يفهمون ذلك، وإنما تنشر جنودها لتجني أرباحا من وجودهم من خلال فرض النفوذ وإخافة الضعفاء وتقوية الأنظمة الوظيفية، وهو ما يفهمه وزير الدفاع جيمس ماتيس جيدا، لذا فإن قرار الانسحاب من سوريا ليس جديدا كما يظن البعض فقد تأجل ستة أشهر من قبل بناء على توصية ماتيس، وهو ما أتوقع ان يحدث مرة أخرى، حتى مع الانباء التي تحدثت عن البدء في تنفيذ القرار والتي أظن انها ليست منطقية عسكريا، لان إجلاء القوات وتفكيك تمركزات يحتاج لوقت كافي لتأمين إعادة تمركز تلك القوات.

كما أن انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي الإيراني يجعلها لا تترك الساحة بهذه السهولة للقوات والمليشيات الإيرانية في سوريا لتهدد أمن كيان الاحتلال الصهيوني، فالوجود العسكري الأمريكي في سوريا سيجبر طهران على التفكير مرتين قبل أن ترسخ وجودها في سوريا، بيضة القبان في مشروع الهلال الشيعي، كما أن انسحاب أمريكا يعني ترك المجال لكل من روسيا وتركيا ليكونا فاعلين أساسيين في ملف الأزمة السورية، وهو ما يعني التخلي عن أوروبا التي أوكلت ملف الأزمة من أول يوم لأمريكا ممثلا للغرب فيها، ولم تتدخل أوروبا إلا بعد تهدد أمنها بهجرة اللاجئين، وهي الورقة التي تلعب بها تركيا حتى الآن مع أوروبا، ومن مصلحة كل من أمريكا وأوروبا تحجيم الدور التركي الذي تمثل إدارته إزعاجا شديدا لهما لاسيما بعد تطور قدراتها العسكرية والاقتصادية وكذا تطور علاقاتها الخارجية بصناعة أوراق لعب أهلتها للجلوس على طاولة الكبار على الأقل في أزمات المنطقة.

فإن كانت امريكا في ظل إدارتي أوباما وترامب ارسلت إشارات بإنه ليس لديها مصلحة جيوستراتيجية أو أمنية للتورط بشكل عميق في الأزمة السورية، إلا أنه ومع تنامي المناكفات بين كل من إدارة ترامب وأردوغان فإن الوجود الأمريكي في سوريا سيبقى ولو في شكل استخباراتي أو نفوذ في مناطق محددة يمكن بها ان تبقى في واحدة من أهم مناطق الصراع في الشرق الأوسط، وهو ما يعني أن عملية شرق الفرات التي تنوي تركيا القيام بها تحتاج إلى مزيد من الترتيبات التي ستقدم فيها الأطراف الفاعلة تنازلات قد تكون من بينها تمرير تركيا لتسوية سياسية في سوريا، فضحه لسانه فيها وزير خارجيتها، حين قال أن بلاده لا تمانع من التعامل مع الأسد فيما لو أتت به انتخابات (ديمقراطية)، وهو ما يتنافى مع الموقف التركي السابق، لكنه في نفس الوقت يتوافق مع الموقف الأمريكي من نظام الأسد، لذا فإن التفاؤل المتناهي الذي صدرته بعض الدوائر التركية حول القرار الأمريكي رابطة القرار الأمريكي بعملية شرق الفرات، قد يكون أكبر من حجمه، وإن كانت تركيا ستستفيد منه كثيرا وستحل لها معضلة ضربة البداية التي تأخرت لمرات لوجود القوات الأمريكية، إلا أن حلم إزاحة الولايات المتحدة الأمريكية عن الملف السوري أظنه بعيد المنال، لظني أن استقالة وزير دفاع ترامب جيمس ماتيس، صاحب الشعبية بين الجمهوريين، ستشكل ورقة ضغط على إدارة راعي البقر.

عن الكاتب

ياسر عبد العزيز

كاتب وباحث سياسي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس