ياسر عبد العزيز - خاص ترك برس

بعد أن زارها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان برزت في حينها الأهمية الإستراتيجية لجزيرة سواكن السودانية المطلة على البحر الأحمر، وبرز معها جدل حول الدور التركي الذي تريد أن تلعبه إدارتها في السودان وفي إفريقيا على العموم، وكان أكثر المنزعجين في حينها دولة خليجية مطلة على البحر الأحمر وأخرى لا تمكنها جغرافيتها من ذلك إلا أنها لها أطماع في تلك السواحل.

لكن موضوع المقال ليست الجزيرة بقدر ما تعنيه من رمزية في الأحداث الأخيرة في السودان والموقف التركي منه، لاسيما بعد أن أعلن وزير الدفاع عوض بن عوف الإطاحة بعمر البشير والتحفظ عليه مع تشكيل مجلس عسكري يتولى إدارة البلاد لمدة عامين.

والساكن في اللغة هو خلاف المتحرك، وهو الموقف الذي لم تتخذه تركيا حيال التطورات الأخيرة في السودان، ففي أول رد فعل على البيان الذي أصدره الجيش السوداني، وفي مؤتمر صحفي مع نظيره البروكيني روك مارك كريستيان كابوري، في أنقرة قال الرئيس أردوغان: (لدينا علاقات تاريخية متجذرة مع السودان، وبالطبع نريد أن تستمر هذه العلاقة. وأتمنى أن ينجح السودان في الخروج من هذه الأوضاع بأجواء أخوية، وتفعيل المرحلة الديمقراطية بأسرع ما يمكن).

لأول وهلة قد تبدو التصريحات صادمة للشارع السوداني، لكن حقيقة التصريح تؤكد مواقف ثابتة للإدارة التركية من الانقلابات في المقام الأول، فكلمات الرئيس اردوغان في نفس السياق تؤكد هذا الموقف، وتؤكد حرص الإدارة التركية على مستقبل الشعب السوداني وانحيازه الكامل له، حيث أردف أردوغان: ( أنا أعلم أن السودان مرَّ في الفترات السابقة بمشاكل اقتصادية كبيرة، وكنا نأمل أن يتجاوز السودان هذه المشاكل الاقتصادية دون الدخول في مناحي مختلفة... لقد شهد السودان عدة انقلابات وتعرض لأضرار كبيرة منها، ولا نرغب في أن تتضرر الدولة الصديقة والشقيقة السودان مرة أخرى من هذه الانقلابات).

هذه الكلمات تؤكد في طياتها أن الإدارة التركية لن تتخذ من السلبية موقفا، بل الدعم الكامل لحراك الشعب السوداني الطواق إلى الحرية والديمقراطية بعيدا عن الحكم العسكري الذي أضاع الكثير من مقدرات وثروات البلاد من أجل تثبيت قوائمه وأهدر الكثير من سيادة هذا البلد بهدف تأكيد شرعيته، أو رتق الخروقات التي يحدثها جراء القرارات العشوائية غير المدروسة والمتخذة بهوى الفرد دون مشورة ولا حسابات يكون الشعب جزءا في معادلاتها.

إن تركيا التي حرصت خلال السنوات الثماني سنوات الماضية على دعم الشعب السوري في ثورته وأبت رغم كل الضغوطات أن تنساق وراء رغبات الغرب الذي يريد تصفية الثورة السورية، وتكبدت في ذلك الكثير من مضايقات سياسية واقتصادية، وتحملت في نفس الوقت أعباء هذا القرار على المستوى الإنساني والسياسي، أثر بشكل لا يمكن أن ينكر على شعبيتها، لا يمكن ان تنحاز لغير الشعب السوداني، وهو موقف تجدد خلال تلك الفترة في القضية المصرية بعد انقلاب وزير الدفاع على الرئيس المنتخب في البلاد، فلازالت تركيا ترفض التنازل عن مبادئها رغم الضغوط الداخلية والخارجية لمد جسور التعاون مع ذلك النظام الانقلابي.

إن الموقف التركي الأخلاقي يأبى أن يترك الشعوب في ساعات نضالها التاريخية لمصالح آنية، فغيرها لم يعلن حتى كتابة هذه الكلمات أي ردة فعل تجاه الانقلاب العسكري، على الرغم من أن البشير حليفها في الحرب في اليمن، فهي لن تدعم بأي حال من الأحوال كفاح الشعب وحراكه من أجل الحرية فمواقفها من شقيقتها مصر واضح، تلك المواقف المتباينة ترسخ الصورة الذهنية للإدارات والأنظمة، وتؤكد أن الحكومات المنتخبة من الشعوب ستنحاز دوما لمطالبها ولن تحيد عن مبادئها من أجل توريث حكم، أو تغيير دستور، أو إزاحة مستحق.

عن الكاتب

ياسر عبد العزيز

كاتب وباحث سياسي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس