ياسر عبد العزيز - خاص ترك برس

في معرض حديثه عن صفقة منظومة الدفاع الجوي المتطورة مع روسيا قال الرئيس أردوغان: ( لقد وقعنا اتفاقًا مع روسيا لشراء S-400 ، وسوف نبدأ الإنتاج المشترك، لقد تم ذلك، ولا يمكن أن نتراجع أبدًا، هذا لن يكون أخلاقيًا، لا ينبغي لأحد أن يطلب منا أن نفعل ما يريد)

لا ينبغي لأحد أن يطلب منا أن نفعل ما يريد، يبدو أن هذه هي الجملة الحاكمة في أزمة الليرة التركية التي تشهد هبوطا لا مثيل له في الفترة الأخيرة، فبحسب المتخصصين، الاقتصاد التركي لا يعاني تلك المعاناة التي تجعل العملة تتداعى بهذا الشكل غير المسبوق، ولكن الأمر يبعد كثيرا عن التحليل الاقتصادي، إلى تحليل الاقتصاد السياسي، أو تستطيع أن تصنف حالة العملة التركية تحت القصف السياسي.

أزمة الغرب وتحديدا أمريكا مع تركيا، وحالة عض الأصابع التي بدأت منذ ما يقارب الثلاث سنوات بشكل علني، مكمنها حالة الاستقلالية التي يحاول أن يرسخها حزب العدالة والتنمية منذ أن اعتلى حكم تركيا منذ تأسيسه في عام 2001 ، لقد كان لهذا الحزب وخطابه دور كبير في استعادة تركيا كرامتها المسلوبة بفعل الأحزاب المنسحقة تحت أقدم أمريكا وأوروبا، وهذا ليست شهادتي، ولكنها شهادة تانسو تشلار رئيسة وزراء تركيا الأسبق التي أقرت بتنامي سيادة واستقلاليتها خلال حكم العدالة والتنمية عن ذي قبل.

في أنقرة وتحديدا في  قزلجا حمام يعقد حزب العدالة والتنمية برئاسة الرئيس أردوغان، اجتماعا مغلقا لتقييم نتائج انتخابات المحليات، من المقرر أن يقدم كل من وزير الداخلية ووزير المالية تقريرهما عن حالة الانتخابات، ويعد تقرير براءت ألبيراق وزير المالية التركي الأهم حيث يرى الرئيس نفسه أن الحالة الاقتصادية أثرت إلى حد بعيد في نتائج الانتخابات الأخيرة، والتي تعد هزيمة رمزية أكثر منها شعبية، لأن التصويت كان عقابيا، وهو ما أظن يراه الرئيس، لكن السبب وراء هذا التصويت العقابي، هو الحالة الاقتصادية المتراجعة، إلى حد ما جراء وضع العملة المتذبذب منذ ستة أشهر، والتي أراها ضمن حملة قوية للضغط على تركيا ليس للتراجع فقط عن صفقة منظومة الدفاع الجوي المتطورة (أس 400) ولكن لإخضاع تركيا وإعادتها إلى حظيرة الولاية الأمريكية.

عقاب العدالة والتنمية تواصى به كل من الإدارة السياسية في أمريكا ومجلسها التشريعي، والغريب أن الحزبين الكبيرين فيه قد اتفقا على وجوبه، فبعد تأكيد تركيا مضيها في إتمام الصفقة الروسية عرضت مجموعة من الحزبين الأمريكيين تشريعًا في 28 مارس لحظر بيع ونقل تكنولوجيا المقاتلة الأمريكية الأكثر تطورا (أف 35 ) وقال السيناتور جيمس لانكفورد النائب عن ولاية  أوكلاهوما: (تركيا حليف مهم للناتو وشريك راغب في معالجة عدد من أولويات الأمن القومي للولايات المتحدة، لكن يسعى حاكمها الاستبدادي إلى تقويض مصالح الناتو والولايات المتحدة في كل منعطف).

كلمة لانكفورد تعكس منظومة الفكر التي يتعامل بها الأمريكيين مع الإدارة التركية، فمحاولة الانقلاب العسكري وما تلاها من محاولات اقتصادية متكررة وسحب الأموال الأوروبية والخليجية، المؤتمرة بأمر سيدها في واشنطن، من السوق التركي، دلالات على تعدي العقاب إلى محاولات الإزاحة، والآن يعمل الغرب بقيادة أمريكا ومع اقتراب موعد تسليم منظومة الدفاع الجوي الروسية على إسقاط الليرة التركية وصولا إلى إسقاط الإدارة نفسها، ولم تكن الانتخابات المحلية، إلا محاولة أخرى لضرب الحزب الحاكم شعبيا، وهو أحد مرتكزات بقاء هذا الحزب منذ 2002 وحتى اليوم، فسحب البساط شعبيا من تحت أقدام حزب العدالة والتنمية وتقديم رؤساء بلدية جدد من حزب الشعب، وهو محاولة حثيثة لصنع نجوم يمكن البناء عليهم في المستقبل القريب، والغرب في ذلك خبير، لكن يبقى السؤال الأهم هل تستطيع أمصال التحصين من الهيمنة الغربية، التي يحقن بها الحزب جماهيره، أن تدفع عنهم السقم في ظل ضعف العملة المتنامي والذي يؤثر إلى حد كبير على معيشة المواطن التركي؟

الإجابة في الحقيقة على هذا السؤال عند كل من الرئيس أردوغان ومعاونيه، وما يمكن أن يخلقه من تحالفات اقتصادية تخفف العبء عليه في ظل تضييق دولي على حلفائه الاقتصاديين وعلى رأسهم إيران.

عن الكاتب

ياسر عبد العزيز

كاتب وباحث سياسي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس