د. سمير صالحة - TRT عربي

أمام تمسك أنقرة بإتمام صفقة منظومة S-400 الصاروخية الروسية، تتواصل رسائل التصعيد الأميركي باتجاه تجميد صفقة بيع أنقرة 100مقاتلة من طراز F-35 إلى جانب محاولات إبعاد تركيا عن برنامج شراكة تصنيع وتسويق المقاتلة الذي بدأ العمل عليه قبل 17 عاماً.

تلعب الحسابات الاستراتيجية المتعلقة باختلاف نوعية التسليح دوراً في هذا التصعيد بين الجانبين، ولكن في الحقيقة تقف خلف التصلب الأمريكي في تعاطيها مع تركيا في هذه الأزمة عواصم إقليمية تريد أن تزيد من توتر العلاقة بين أنقرة وواشنطن رغبة منهم في عقاب تركيا وحشرها في الزاوية وهذه العواصم بينها القاهرة تل أبيب والرياض وأبو ظبي.

وقد أبلغ وزير الدفاع الأمريكي بالوكالة باتريك شاناهان، في رسالة إلى نظيره التركي خلوصي آقار، عزم واشنطن إيقاف تدريب الطيارين الأتراك على استخدام المقاتلة، وتجميد تسليم أنقرة المقاتلات ومشاركتها في تصنيعها بحلول 31 تموز المقبل؛ وهو الموعد النهائي لوصول الشحنة الأولى من الصواريخ الروسية الى تركيا.

شاناهان يقول في رسالته الاستفزازية أيضا إن تركيا لن تستطيع الحصول على مقاتلات F-35في حال استلامها منظومة S-400 لأن ذلك سيلحق الضرر بتعاونها مع الولايات المتحدة وحلف شمال الاطلسي على السواء، وبقطاع الصناعات الدفاعية الأميركية، وبالأهداف الاقتصادية المشتركة للبلدين التي ستتعرض لضربة قوية في حال تطبيق "قانون مكافحة أعداء الولايات المتحدة" على تركيا.

على الجانب التركي أعلنت القيادات السياسية التركية أنها تدرس مضمون الرد على رسالة شانهان. لكن أكثر من مؤشر يعكس حقيقة أن هذا الرد لن يقل تحدياً وتصعيداً عن الرسالة الأميركية التي تطالب أنقرة وقف التغريد خارج السرب في علاقاتها مع العواصم الغربية.

العلاقات التاريخية بين العاصمتين هي التي ستكون أمام الامتحان الأصعب اذن. فهل الخطوات السياسية والدبلوماسية والنقلات الميدانية التي سنتابعها عن قرب سيكون هدفها لعب أوراق القوة والضغط بين البلدين باتجاه الوصول الى صيغة تسوية؟ أم الذهاب بمنحى تصعيدي متواصل يفجر العلاقات على أكثر من مستوى ثنائي وإقليمي؟

في السيناريوهات السوداوية أين وكيف يمكن لواشنطن أن تؤثر على أنقرة في موضوع الصفقة الروسية؟ وما هي إمكانات أنقرة في التصدي والرد؟

حقيقة أخرى تبرز إلى العلن وهي أن المشكلة بعد الآن لن تكون مشكلة الخروج عن المسار الأطلسي في العلاقات التركية الأميركية؛ بل مسألة تغيير شكل التحالفات والمحاور بالنسبة للجانبين. فهل هما جاهزان لتحمل ارتدادات قرارات استراتيجية من هذا النوع؟

البعض في واشنطن يريد -مدعوماً من قبل العديد من اللوبيات والعواصم المذكورة- وضع تركيا في الطرف المعادي. فكيف ستكون ارتدادات القمة الثنائية التركية الأميركية المرتقبة في اليابان على هامش اجتماعات مجموعة العشرين؟

تقول أنقرة مراراً إنها ترفض حجج الولايات المتحدة التي تزعم أنه إذا تم نشر S-400 و F-35 في البلد نفسه، فإن المنظومة الروسية سوف تطلع على أسرار المقاتلة الأميركية. قيادات تركية ترى أن التحجج بمنظومة S-400 هي مجرد ذريعة بالنسبة للولايات المتحدة من أجل فرض عقوبات على تركيا بسبب اقترابها الواسع من روسيا.

لذلك نسمع ونتابع من يعلن في تركيا أنه سيتم حماية المصالح التركية والتمسك بالعقود والاتفاقيات الموقعة مع موسكو أولا، ومطالبة واشنطن باحترام تعهداتها ثانياً، وأن البديل سيكون استخدام كافة الطرق الدبلوماسية والقانونية بما فيها اللجوء إلى التحكيم والقضاء الدوليين دون تردد.

البعض في واشنطن يردد أن أميركا ستدفع التعويضات المادية المطلوبة لأنقرة، لأن الهدف الأساسي هو استبعادها عن مشروع طائرة F-35 والاستغناء عن الخدمات التي تقدمها لتصنيع المقاتلة. وإن تصلب الإدارة الأميركية في موضوع رفض اقتراح إنشاء لجنة ثنائية مشتركة تعمل على حل هذه القضية يؤكد ذلك.

لا بل هناك أصوات أميركية تطالب بما هو أكثر، أي فرض عقوبات على أنقرة بموجب "قانون مكافحة أعداء أميركا" المعروف باسم "كاتسا" إذا ما قررت أنقرة المضي حتى النهاية في خطة امتلاك الصواريخ الروسية.

واشنطن تلوح بالأوراق الاقتصادية والسياسية التي ستلعبها ضد تركيا بسبب التحولات المهمة في سياستها الخارجية، لكن تركيا تكرر أنها هي أيضا قادرة على حماية مصالحها، ومواجهة التصعيد الأميركي في أكثر من ملف ثنائي وإقليمي، وفي أكثر من بقعة جغرافية وهذا ما تعرفه الإدارة الاميركية جيداً.

تركيا تعلن أنها تقدمت لشراء الباتريوت الأميركية عام 2017 وبعد مرور 17 شهراً جاء الرد بالرفض. فلم لا تتوجه نحو مصادر أخرى لتأمين احتياجاتها. وواشنطن تقول إن أنقرة شريكاً في مشروع المقاتلة F-35 الذي هو شراكة غربية أطلسية في وجه القوة العسكرية الروسية، وأنه من المستحيل الجمع بين نظامين قتاليين دفاعي وهجومي.وهو مؤشر آخر يعكس حجم التباعد في المواقف.

اعتقدت واشنطن أن أنقرة لن تمضي في الصفقة الروسية حتى النهاية، وأنها تناور فقط لتعزيز فرص الحصول على الباتريوت الأميركية بعرض مغر ففاجأتها تركيا بالمضي حتى النهاية في خيارها الروسي.

لكن أنقرة أيضا كانت تعتقد أن البيت الأبيض لن يخوض مغامرة التصعيد ضدها على هذا النحو وايصال، الامور إلى نقطة إبعاد تركيا عن برنامج تصنيع المقاتلة، وعرقلة شراكتها في المشروع، فظهر حجم التصلب الأميركي في ملف حساس من هذا النوع.

هناك أطراف كثيرة ستكون حتما سعيدة بتصعيد التوتر بين أنقرة وواشنطن لأنه يفتح الطريق أمام تحولات حقيقية في مسار العلاقات الاستراتيجية بين البلدين.

في مقدمة من يحاولون صب الزيت فوق نار التصعيد التركي الأميركي هي إسرائيل التي تريد أن تكون الدولة الإقليمية الوحيدة التي تمتلك هذه الطائرة في سلاحها الجوي، خاصة في وقت يزداد النزاع حول اكتشاف واستخراج الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، والتسريبات الإسرائيلية التي تقول إن منظومة S-400 ستتواجد في هذه المنطقة للرد على التحديات الإسرائيلية والمصرية واليونانية.

تركيا تعد لاستراتيجية دفاعية جديدة تتعامل مع متطلبات العام 2030 بحسب احتياجاتها وضروراتها، لكن المؤكد أن البعض وفي مقدمتهم أميركا لا يعجبهم ذلك خصوصاً وأن تركيا تقول إنها متمسكة بتنويع مصادر تسلحها.

بإيجاز أكثر، واشنطن لن تستطيع منع أنقرة من امتلاك منظومة الصواريخ الروسية لكن الثمن السياسي والاقتصادي على العلاقات التركية الأميركية في المرحلة المقبلة ينبغي ان يكون دائما في حسابات الربح والخسارة.

تركيا وفي حال تمسكها بالصفقة الروسية ستأخذ حتما بعين الاعتبار احتمال تأثر علاقاتها بالغرب والأطلسي بشكل سلبي امام خطوة استراتيجية من هذا النوع.

لكن أقلام غربية كثيرة تحذر من ارتدادات الصفقة على علاقات تركيا بالعواصم الغربية لأن تركيا الدولة الحليفة تحت سقف الاطلسي تريد أيضا أن تنسق مع روسيا استراتيجيا وأمنيا وسياسياً بما يتعارض مع روح التحالف الغربي. من سيقنع الاخر؟ هو السؤال الذي سنبحث عن إجابة له خلال لقاء القمة التركي الاميركي في اليابان بعد أيام.

العلاقات تتقدم نحو مسار شائك وصعب ومعقد واشنطن تصعد برسائل التهديد وانقرة تقول انها لن تتراجع عن قراراتها لأن ما يجري يتعارض مع روح الشراكة.

عن الكاتب

د. سمير صالحة

البرفسور الدكتور سمير صالحة هو أكاديمي تركي والعميد المؤسس لكلية القانون في جامعة غازي عنتاب وأستاذ مادتي القانون الدولي العام والعلاقات الدولية في جامعة كوجالي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس