ياسر عبد العزيز - خاص ترك برس

الكل يهول في هذه المنطقة الأشد سخونة في العالم، السباق على أشده ولا وقت للوقوف لحظة، الأحداث تتسارع والتطورات لحظية والتصريحات تمهد لما بعده أو تكشف القادم، حتى أصبح كتابة مقال في ظل هذا الأحداث المتلاحقة شيئا من العدمية - لاسيما مع تأخر النشر - فالمقال في الغالب لن يواكب التطورات مهما كان كاتبه، لكن رويدا رويدا بدأت تتكشف التكتيكات، فالعملية العسكرية التي أطلقتها تركيا منذ أيام والتي أعلنت أهدافها صراحة، والتي رآها المنصف عادلة ورآها آخرون غير ذلك، بل وهاجموها وجندوا إعلامهم لشيطنتها، اتخذت تكتيكات نجحت إلى حد الامتياز حتى الآن، حتى تخوفات البعض، المشروعة، على سير تلك العملية، استطاعت العملية حتى الآن تجنبها إلى حدد كبير، مع إبقاء هذه التخوفات حاضرة ومرهونة على القرار السياسي، وعلى ذكر السياسي فإن التكتيكات العسكرية صاحبها تكتيكات سياسية من كل الأطراف وفي كل الاتجاهات، وتوزعت الأدوار وتكشفت مع الوقت، على الرغم من قصره، لكنها تكشفت، وتقرأ تلك الأدوار من خلال تصريحات كل طرف، ومن ثم تتكشف التحركات على رقعة اللعب في انتظار أن يحرك أحدهم قطع اللعبة في المكان الخطأ لتنتهي المباراة.

ولأن المباراة ليست صفرية ولن تنتهي بالضربة القاضية، فإن اللعب الآن على تجميع النقاط، وفيما يبدو أن أمريكا والغرب اتخذوا من تكتيك صيد السمك طريقا لتجميع تلك النقاط، فالموقف التركي من حيث الشرعية والتحالفات والوضع القانوني يؤهله أن يبدأ في جمع النقاط في البداية وكسب الأرض، وهو ما جعل أمريكا والغرب يتخذون من التصريحات الإعلامية والصحافة وسيلتهم لإثناء تركيا عن عمليتها العسكرية التي تأخرت ما يقرب من عام، والتي انتظرت فيه تركيا كل هذه المدة علَّ وعسى ان تساهم الشراكات والتحالفات في إنهاء الأمر دون تدخل عسكري، مع ذلك لم تضيع تركيا الوقت، فقد جمعت ودربت وأهلت ما يقارب الــ 18 ألف مقاتل من الثوار السوريين فيما بات يعرف بالجيش الوطني، لخوض تلك المعركة، وهي ورقة أخرى تضاف إلى شرعية العملية العسكرية لحماية أمن تركيا القومي وأخذ مكان متقدم على رقعة اللعبة، وعودة إلى الموقف الأمريكي الغربي الذي ندد في البداية بالعملية ثم هدد بعقوبات اقتصادية بعد أن كانت تغريدات السيد ترامب تذهب باتجاه (لا دخل لي) ومن ثم سحب قواته بعيدا عن العمليات العسكرية التركية، مسلما حلفائه من الميليشيات الكردية لمصيرهم مرحليا وفقا لتكتيك صيد السمك.

ثم يأتي دور براميل النفط والممول الأول لإخراج الحلفاء عن مسارهم لتسهيل اصطياد السمكة، دعوة متعجلة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي لم يزر الخليج منذ 2007،  لكل من السعودية والإمارات، والتي كان غطاؤها اقتصاديا وباطنها من قبله عملية نبع السلام، ليخرج في الأثناء، دور قوات النظام للعلن بعد أن تتراجع الميليشيات الكردية وتسلم مناطق هدف العملية لها من أجل إحراج الأتراك وجعلهم في مواجهة مباشرة مع الحليف الروسي، الذي صرح المتحدث باسم الكرملين بأن موسكو لن تسمح بمواجهة عسكرية مباشرة بين قوات الأسد والقوات التركية والجيش الوطني السوري، وهو التصريح المفعم بدولارات النفط الخليجي، وفي السياق تعلن الإدارة الأمريكية بأن نائب الرئيس الأمريكي سيتوجه خلال الساعات القادمة إلى أنقرة من أجل التفاوض لوقف العمليات العسكرية في الشمال السوري، بما يعني أن الأدوار توزعت بين الغرب الأوروبي وشرقه مع الأمريكيين بتمويل خليجي، والكل يريد أن يخرج رابحا، فالروس ربحوا الاتفاقيات التجارية مع الخليج، وربح الخليج محاولات تشويه إعلامية لتركيا، لكن الغرب هو الرابح الأكبر بالحفاظ على قوام قوات حلفائه من الميليشيات الإرهابية القابعة في الجنوب التركي، والحالمة بتأسيس دولة إرهابية تكون نموذج لنظرائهم في تركيا لتقطيع أواصل الدولة التركية لمزيد من إضعافها بعد اتفاقية لوازن.

لكن الحقيقة التي لن ينكرها منصف هي أن العملية العسكرية التركية التي استفادت كثيرا من الظرف الإقليمي والدولي استطاعت أن تحقق الكثير من أهدافها وتقطع الطريق على تأسيس ذلك الكيان الإرهابي الذي يرغب الغرب زرعه في خاصرة الأمة الإسلامية بعد الكيان الصهيوني وإيران، وإن كان الخطر مازال قائما، إلا أنه تراجع سنوات انفق فيها مليارات الدولارات حسرة على الغرب المتربص للدولة التركية الفتية.

عن الكاتب

ياسر عبد العزيز

كاتب وباحث سياسي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس