محمد قدو أفندي أوغلو - خاص ترك برس

في صبيحة الربع عشر من تموز/ يوليو عام 1958، وصل إلى مطار القاهرة الابن الأصغر للملك فيصل الأول ملك العراق متوجها إلى إسطنبول لحضور حفل عقد قران ابن أخيه الملك فيصل الثاني بن الملك غازي ملك العراق، وكان من المقرر أيضًا وصول الملك الراحل فيصل الثاني والعائلة الملكية لإسطنبول لتلك المناسبة.

في صالة ضيوف الشرف بمطار القاهرة حضر سكرتير الرئيس عبد الناصر سامي شرف مسرعًا موفدًا من الرئيس لإبلاغ الأمير محمد بضرورة إلغاء سفره إلى إسطنبول لحدوث انقلاب عسكري ضد الحكم الملكي الوطني في العراق، وكذلك لتقديم عرض الرئيس عبد الناصر باستضافة الأمير والترحيب به وبقائه للإقامة بمصر أن رغب بذلك.

بعد يوم الرابع عشر من تموز عام 58، ومنذ ذلك التاريخ، لم تقم الدوائر الإعلامية الرسمية وشبه الرسمية والأهلية والصحف والمجلات العربية والعالمية بنشر أي شي يخص ما تبقى من أفراد العائلة المالكة، وبالاخص عن الأمير محمد الذي توفي العام الماضي، ودفن حسب وصيته في العاصمة التركية أنقرة.

كان المرحوم الأمير محمد هو الابن الثاني للملك فيصل الأول بن الشريف حسين، ملك سوريا والعراق، وشقيق الملك غازي بن فيصل الأول والأميرات راجحة وعزة ورفيعة، وعم الملك فيصل الثاني بن الملك غازي.

زوجته صاحبة السمو الشريفة فاطمة الهاشمي، وأبناؤه أصحاب السمو الملكي: الأمير الدكتور عادل، والأمير عدنان، والأمير أحمد، والأميرة الدكتورة نسرين. وأحفاده أصحاب السمو الملكي: الأمير محمد فيصل بن الأمير عادل، والأمير زين العابدين بن الأمير عدنان.

الأمير محمد بن الملك فيصل الأول بن الشريف حسين بن علي الهاشمي، وهو مولود في العراق عام 1930، وهو الابن الثاني للملك فيصل الأول، والأخ للملك غازي ثاني ملوك العراق. تلقى علومه في مصر والولايات المتحدة، وحاز درجة الدكتوراه في علوم الإدارة.

وخلال السنين وجه الأمير محمد جهوده لتنمية التعليم والبحث العلمي والثقافة والعمل الاجتماعي من المنفى العربي، وقام بتأسيس التعليم العالي وتطوير نظمه في عديد من الدول العربية، على سبيل المثال لا الحصر في دولة الكويت والمملكة الأردنية الهاشمية. وهو صاحب فضل في تطوير نظم التعليم العام وتأسيس جمعيات النفع العام والنقابات المهنية وإيجاد وتطوير نظم البعثات والعلاقات الثقافية بين الدول العربية والأوروبية والأميركية.

وبعد أن نشرت تحقيقًا بمناسبة الذكرى الأولى لوفاة الأمير محمد وحضور الأمير عدنان والأميرة نسرين إلى انقرة لزيارة قبر الأمير الوالد، اتصل بي الكثير من الأصدقاء  للاستفسار حول العائلة الملكية المستبعدة إعلاميًا، وحول الأمير محمد وحياته وحياة العائلة، ومن بينهم أحد الاخوة وهو حاصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ أخبرني بأنه ألف كتابًا عن الملك فيصل، وأعرب عن استغرابه لعدم وجود تفاصيل عن الأمير محمد في كتب التاريخ بصورة عامة وتاريخ العراق بصورة خاصة أسوة بأخيه الملك غازي، وهذا ما لفت انتباهي وشدني للكتابة عن حياة الفرع الثاني المغمور قسرًا إعلاميًا الأمير محمد، ورفع الستارعن سيرة حياته وعائلته الكريمة الحافلة بالإنجازات الثرية للعراق والعالم أجمع.

في عام 1968، أسس الأمير محمد جمعيته التي أطلق عليها اسم "الأكاديمية الملكية الدولية للعلوم"، وهي منظمة غير حكومية خيرية غير سياسية، وتعمل ضمن نظم وتحت مظلة الأمم المتحدة لرعاية الموهوبين والبرامج التنموية وخدمة الطلبة والمجتمعات النامية في دول العالم الثالث من النواحي الإنسانية والصحية والإنمائية والتعليمية.

وللأمير محمد العديد من المؤلفات منها:

  • سمات وملامح، ربيع الدم (ديوان شعر).
  • الأساليب العلمية لرعاية الموهوبين.
  • التكامل الثقافي لمدينة القدس.
  • دور العلاقات الثقافية لتطوير الإدارة التربوية.
  • العراق قضية ومستقبل.
  • تلميذ من غير كتاب.
  • وحديث الراشدين.

والحديث عن باقي أفراد العائلة الملكية بحاجة إلى أكثر من مقالة، بل ربما يحتاج الحديث عن إسهاماتهم الإنسانية والعلمية إلى كتب، وكذلك عدم انقطاعهم عن خدمة بلدهم العراق رغم المأساة التي تعرضوا إليها من الانقلابيين ومجزرة قصر الرحاب الرهيبة والدامية والإجرامية.

ونخص هنا أيضًا الإسهامات الكثيرة للأميرة الدكتورة نسرين التي اختارت الطب الذي هو أنبل المهن، وأن تكون عالمة من العلماء القلائل في هذا العالم الواسع، ولم تكتفِ بذلك، بل مارست البحث العلمي لنيل شهادة الدكتوراه في علوم الوراثة البشرية والأجنة، علمًا أن هذا الاختصاص يمارسه عشرة أطباء في جميع العالم، والأميرة نسرين أحد هؤلاء العشرة.

كذلك فإن الحديث عن الأمير الشاب زين العابدين بن الأمير عدنان بن الأمير محمد بن الملك فيصل بحاجة إلى الكثير من التحقيق والكتابة حول مساهماته الفعلية في حقول التنمية المستدامة وتكافؤ فرص التعليم للجنسين، إضافة إلى دعواته للأمم المتحدة لتبسيط اللغة الخطابية حتى تساهم في زيادة فرص التعلم والمتابعة. ويذكر أن الأمير زين العابدين كان قد ألقى كلمة حول المساواة في فرص التعليم بين الجنسين في قاعة الأمم المتحدة في نيويورك.

وفي الختام نستطيع أن نخمن من خلال البحث والتحليل سبب عدم ورود اسم الأمير محمد في فترة العهد الملكي، كونه كان طفلًا لم يتجاوز حينها التسع سنوات من عمره، ومن بعدها  تفرغه وسفره للدراسة.

وقد تكون هناك أسباب أخرى غير معلنة إبان تولي الأمير عبد الإله منصب الوصاية، ربما بسبب الشكوك في ولاء وإخلاص الأمير عبد الإله لجميع أفراد العائلة المالكة من أبناء الملك فيصل، وخصوصًا بعد وفاة الملك غازي بحادث سيارة يعتقد أنها حادثة مدبرة من قبل بعض الأطراف، وفرار الوصي عبد الإله إثر تدهور الأوضاع السياسية المحلية والدولية في منتصف عام 1940 وأوائل 1941 على أعقاب قيام الحرب العالمية الثانية وقيام حركه الكيلاني، ومن ثم عودته إلى الوصاية سنه 1941 وحتى 1953 بعد أن قررت الحكومة البريطانية دخول العراق لاحتلاله بسبب استراتيجيات الحرب العالميه الثانية بذريعه إعادة عبد الإله إلى منصب الوصايه، مما أثار حفيظة الشارع العراقي وحقده على الوصي طول فتره توليه الوصاية، ومن بعدها توليه منصب ولي العهد حتى مقتله مع الملك فيصل الثاني في مجزرة قصر الرحاب في 14 تموز 1958.

وأخيرًا قد يحالفني الحظ  في الكشف عن خبايا جديدة في حياة الأمير محمد والأميرة الدكتورة نسرين والأمير الشاب زين العابدين الذي ما إن ترى صورته حتى تتذكر المغدور البريء سيد شباب العراق وشهيد الوطن المرحوم الملك فيصل الثاني.

نتمنى ذلك...

عن الكاتب

محمد قدو أفندي أوغلو

باحث في الشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس