د. باسل الحاج جاسم - إندبندنت عربية

وسط توتر غير مسبوق شمال غربي سوريا، كشف وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، أنّ وفداً تركيّاً سيزور موسكو لبحث مسألة التصعيد في إدلب، وأضاف "الهجمات على إدلب دفعت أكثر من مليون مدني إلى ترك منازلهم، والنزوح نحو الحدود مع تركيا".

وتتسارع الأحداث في محيط محافظة إدلب، لا سيما بعد الصدام المباشر بين القوات الحكومية السورية ونظيرتها التركية، في الوقت الذي لا تزال فيه الأخيرة تعزز انتشارها العسكري في المحافظة، ويتزامن ذلك مع قلق موسكو، وإعلان واشنطن دعمها أنقرة ضد دمشق .

شكَّلت إدلب طوال السنوات الثلاث الماضية المساحة الأكبر والأوضح للتباين بين روسيا وتركيا في سوريا، وسعى الطرفان، في كل مرة يطفو فيها التباعد بينهما على السطح، إلى الاتفاق على وقف إطلاق النار، وغالباً ما يكون اتفاقاً هشّاً.

ويعدُّ اتفاق سوتشي، سبتمبر (أيلول) 2018، أحد أهم هذه المحطات بعد تفاهمات أستانا، التي تعاملت مع إدلب ومحيطها الممتد على ثلاث محافظات أخرى في أرياف حلب وحماه واللاذقية، كإحدى مناطق لخفض التصعيد، وأقامت تركيا نقاطاً عسكرية للمراقبة هناك.

وقبل بدء العملية العسكرية الحالية، اعتبرت موسكو أنّ أنقرة "لم تنفذ أهم بنود اتفاق سوتشي"، بالفصل بين مقاتلي المعارضة والمجموعات الإرهابية، إذ أظهرت التحرّكات العسكرية أن الاختلاف الروسي - التركي "تجاوز المستوى السياسي".

وفي الوقت الذي يهدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعملية عسكرية في إدلب على غرار العمليات العسكرية التركية السابقة داخل الأراضي السورية، في حال لم تسحب دمشق قواتها، إلى ما بعد النقاط التركية، تؤكد الولايات المتحدة دعمها الحليف في (الناتو) تركيا، وأوفدت على عَجَل إلى أنقرة مبعوثها الخاص إلى سوريا.

ويعدّ انخراط الخارجية الأميركية في هذا الخلاف، بتأييدها رد الفعل التركي، مؤشراً جديداً على التحوّلات التي تشهدها الخريطة السورية حالياً، وتأثيرها في التحالفات القائمة بين مختلف الأطراف.

أجَّلت تركيا وروسيا بعض المشكلات في الملف السوري (الانتقال السياسي، ووضع المعارضة العسكرية المدعومة تركيّاً، وعلاقة موسكو بالامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني "مُصنّف على قوائم الناتو بالإرهاب"، وأزمة إدلب)، وتمكنت الدولتان من العمل بشكل "منسجم"، ما أوصل إلى المرحلة الحالية من الحروب السورية.

مِن المؤكد، أن انتشار نقاط عسكرية تركية حول إدلب ومناطق أخرى تسبب في إزعاج طهران، في حين أن روسيا دعَّمت الوجود التركي بالمنطقة، لأنها تنظر إلى الأمور من منظور مختلف، ويكشف ذلك أن التفاهمات التركية - الروسية تجاوزت الملف السوري وتعقيداته.

لا يُرضي الوضع في إدلب اليوم، وانتشار المنظمات المُصنفة على قوائم الإرهاب، تركيا، لكن ما تخشاه أنقرة هو وقوع كارثة إنسانية هناك، بذريعة وجود تلك المنظمات، خصوصاً بعد حشر كل أصناف المعارضة فيها، إضافة إلى كل الرافضين أيّ تسويات أو مصالحات، وتهجيرهم إلى إدلب من باقي المناطق والمدن السورية.

وبالتأكيد، العواصم الأوروبية الفاعلة أقرب إلى تسوية بإشراف تركي، حتى لا تشهد المنطقة موجة لجوء جديدة، على غرار ما حدث في العام 2015، إذ كانت ألمانيا أولى الدول التي زوَّدت تركيا بمبلغ 60 مليون دولار في إطار توطين اللاجئين أخيراً، وكذلك كان هناك حديث عن عقد قمة رباعية: فرنسية، ألمانية، روسية، تركية، قريباً، استكمالاً لقمة إسطنبول العام الماضي لبحث ملف إدلب.

إلا أنّ هناك صعوبة كبيرة أمام المهمة التركية، خصوصاً في ما يتعلق بمصير عناصر هيئة تحرير الشام الأجانب، والواضح كذلك أن أنقرة لا تريد الدخول في صدام مباشر "منفردة" مع تلك المجموعات على الرغم من أنها أيضاً تقع ضمن التصنيف التركي بأنها إرهابية.

من الطبيعي أن تكتنف إمكانية التوصل إلى حل للوضع في سوريا صعوبات كبيرة، بسبب تباين مواقف مختلف الأطراف، في شأن طبيعة هذا الحل ومخرجاته، بعد أن جرى حرف الأمور من خلال ظهور منظمات إرهابية متطرّفة وأخرى انفصالية، وهو ما غيّر الأولويات لدى جميع الأطراف المتشابكة سوريّاً، إضافة إلى العاملَين الإقليمي والدولي المرتبطَين بتغير مواقف الأطراف الداعمة المعارضة وخلافاتها البينية.

وعلى الرغم من الموقف الإعلامي الأخير الداعم تركيا حول إدلب، من مسؤولين أميركيين، فإن الولايات المتحدة حليف أنقرة تقف في جبهة ضدها في سوريا، خصوصاً في ما يتعلق بالامتدادات السورية لحزب العمال الكردستاني، بينما روسيا تحوّلت إلى شريك أساسي.

وفي السياق نفسه، نشرت السفارة الروسية في تركيا على حسابها في (تويتر) تغريدة قالت فيها "ندع تقدير الموقف لكم"، مرفقة معها صورتين تشيران إلى تناقض الولايات المتحدة في علاقتها مع تركيا، وفي إحداهما يظهر وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، مع تعليق يقول: "نقف بجانب حليفتنا في الناتو تركيا التي فقدت جنودها في هذا الهجوم"، في إشارة إلى تضامن واشنطن مع أنقرة إثر هجوم إدلب الذي أدّى إلى مقتل جنود أتراك.

أمَّا الصورة الأخرى فهي عبارة عن إنفوغراف لوكالة الأناضول، يوضح كمية ونوعية الأسلحة التي تزوِّد بها واشنطن تنظيم (YPG) الامتداد السوري للعمال الكردستاني في سوريا، وطلب البنتاغون ميزانية خاصة من الكونغرس لإنشاء وحدات عسكرية من عناصر التنظيم.

وتفاعل المغردون الأتراك مع تغريدة السفارة الروسية بشكل كبير، وعبَّر بعضهم عن المفارقة التي تتمثّل بأن روسيا لا تصنّف منظمة العمال الكردستاني وفروعها "منظمات إرهابية"، كما أنها افتتحت مكتباً تمثيلياً لها في موسكو العام 2016، بينما ردَّ آخرون حول إدراك الأتراك أن الثقة بأميركا أو روسيا خيارات أسوأ من بعضها.

ورُغم التحديات القائمة، وتشكيل المعركة الحالية أكبر تحدٍّ لتركيا وروسيا في سوريا، فإن إدلب، على الأرجح، لن تكون محطة افتراق بين موسكو وأنقرة، فالتعاون بين البلدين عميقٌ بما فيه الكفاية للحفاظ على وتيرته، وصحيح أن التركيز والحشود كلها في إدلب، لكن ما هو مقبل ربما يتجاوز تلك الحدود إلى ما هو أبعد.

يبقى القول، إن التعقيد والصعوبات التي تقف أمام تركيا في سوريا "الآن" أنها غير قادرة على تحقيق رؤيتها هناك إلا عبر بوابتي اللاعبَين العملاقَين: أميركا وروسيا، سواء كان ذلك بالصراع أو الاتفاق، ولم يعد يخفى على أحد الاختلافات الكثيرة بين أنقرة من جهة، وموسكو وواشنطن من جهة أخرى، من ناحية طريقة العمل والارتباطات والأولويات.

عن الكاتب

د. باسل الحاج جاسم

كاتب وباحث في الشؤون التركية الروسية


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس