د. علي حسين باكير - تلفزيون سوريا

في عام ١٩٨٢، اعتمد المؤتمر الثالث لقانون البحار اتفاقية الأمم المتّحدة لقانون البحار وذلك بهدف تنظيم حقوق الدول وواجباتها في استغلال مياه البحار والمحيطات وقعرها أو سطحها وما يعلوها، وحدود الولاية الوطنية للدول الساحلية على المناطق البحرية التي تتصل بإقليمها البرّي كالمياه الداخلية والمياه الإقليمية والجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة.

وبالرغم من أنّ القانون دخل حيّز التنفيذ في بداية التسعينيات من القرن الماضي، فإنّ عدداً من الدول لم يوافق عليه، ذلك أنّ القانون رغم تعقيده، لم يكن منصفاً في بعض الجوانب بالنسبة إلى بعض الدول التي لديها بعض الحالات الخاصة. فضلاً عن ذلك، فقد تحفّظ عدد كبير من الدول على بعض ما جاء في هذا القانون بالرغم من موافقتهم عليه. وفيما يتعلق بشرق البحر المتوسط، هناك عدّة دول لم توقع على الاتفاقية ولم تنضم إليها من بينها سوريا وإسرائيل وتركيا.

عند استحضار النزاع على ترسيم الحدود البحرية وتحديد الجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة لكل بلد في حوض شرق البحر المتوسط، غالباً ما يُشاع خطأً من قبل غير المتخصّصين أنّ المطالب التركية تتعارض مع القانون الدولي، يضاف إليه ادعاء آخر يفترض أنّ الدول غير الموقّعة على قانون البحار أو غير المنضمّة إليه تكون حُكماً في موقف غير قانوني إذا ما قوبلت ادّعاءاتها البحرية بادّعاءات دول أخرى عضو في قانون البحار في أي نزاع ثنائي بينهما، وهذا أمر عارٍ من الصحّة تماماً.

قبل مناقشة أي مسألة تتعلّق بترسيم الحدود البحرية بين الدول المتنازعة في تلك المنطقة، لا بد من فهم بعض المسائل التي تتعلّق باتفاقية قانون البحار. الأمر الأوّل هو كون الدولة الخصم عضواً في اتفاقية قانون البحار لا يعني بالضرورة أنّها على حق في مزاعمها المتعلّقة بأي نزاع في ترسيم الحدود مع دولة غير عضو في الاتفاقية.

ثانياً، إذا دخلت دولة عضو في اتفاقية قانون البحار في نزاع مع دولة غير عضو، فإنّ الدولة الأولى لا تستطيع أن تُملي وجهة نظرها فيما يتعلّق بمزاعمها البحرية على الدولة الثانية في أي خلاف بينهما بحجّة أنّها دولة عضو في الاتفاقية بينما الثانية ليست كذلك. من الناحية القانونية، لا شيء يُجبر الدولة الثانية على الخضوع لمثل هذا التبرير خاصّة أنّ هذا هو الغرض في نهاية المطاف من عدم انضمامها إلى الاتفاقية أو تحفّظها عليها أو على بعض ما ورد فيها.

أمّا المسألة الثالثة التي يجب أخذها بعين الاعتبار فهي أنّ كون دولة ما عضواً في الاتفاقية لا يعني أنّها مُحصّنة من مواجهة خلافات بحرية. بمعنى آخر، من الممكن جداً أن يكون هناك نزاع على ترسيم الحدود أو على مواضيع أخرى بين دولتين بالرغم من عضويتيهما في اتفاقية قانون البحار. لا بل إنّ معظم الخلافات هي في حقيقة الأمر بين دول أعضاء في الاتفاقية. الأفضلية الوحيدة الموجودة للنزاع بين طرفين عضوين هو في إمكانية الاحتكام إلى أرضيّة واحدة من خلال رفع النزاع إلى المحكمة الدولية لقانون البحار ومقرّها في هامبورغ في ألمانيا. تتكوّن المحكمة من ٢١ قاضياً، وقد بتّت حتى الآن في ما لا يقل عن ٢٥ قضية رفعت أمامها لغاية العام ٢٠١٥. 

رابعاً، عدم انضمام دولة ما إلى اتفاقية قانون البحار لا يعني أنّه ليس بإمكانها أن تقوم باتفاقيات مع دول أخرى. بإمكان الدول غير الأعضاء أن تقوم باتفاقيات لترسيم الحدود وأن تكون هذه الاتفاقيات قانونية تماماً.

لكن ربما يتساءل بعضهم، إذا لم تكن الدولة عضواً في اتفاقية قانون البحار، فعلى أي أساس يمكنها أن تتصرّف. في حقيقية الأمر، فإنّ هناك مصادر أخرى يمكن للدول اللجوء إليها كالقانون الدولي العام، والمعاهدات الدولية، وقواعد العرف، والمبادئ العامة للقانون. بالإضافة إلى ذلك، وبغض النظر عن طرق وأساليب ترسيم الحدود البحرية أو القواعد القانونية التي يتم الانطلاق منها لترسيم هذه الحدود، فإنّ قانون البحار لا يجيز لأي دولة أن تقوم بترسيم حدود بحرية مع دولة أخرى تتعدّى من خلالها على حدود الجرف القاري لدولة ثالثة.

فضلاً عن ذلك، فقد نصّت الاتفاقية على ضرورة الأخذ بمبدأ العدالة والظروف الخاصة والتي يتم استتباعها كذلك بالإنصاف. وبخلاف ما يتم الترويج له من أنّ الجانب التركي في وضع غير سليم من الناحية القانونية في مواجهة اليونان، فإنّ إجراءات تركيا قانونية وإن لم تكن عضواً في اتفاقية قانون البحار المشار إليها سابقاً.

علاوةً على هذا الأمر، فإن هناك من يشير إلى أنّ اليونان تخشى في حقيقة الأمر من أي وسائل تحكيم تتعلق بهذه المسألة ذلك أنّ مبادئ العدالة والإنصاف قد لا تصبّ في صالحها على الأرجح في أي معركة قانونية مع تركيا حيث تصف الأخيرة المطالب اليونانية بالمتضخّمة والتوسّعية خاصة فيما يتعلق بنظرتها إلى الحدود البحرية التي يجب أن تتمتع بها جزرها والتي تتجاهل الظروف والقواعد القانونية المتعلقة بقواعد العدالة والإنصاف، لا سيما عندما تكون على حساب الجانب التركي وتؤدي إلى عزله في مساحة ضيّقة للغاية، مع العلم أنّ تركيا صاحبة أطول شاطئ في شرق البحر المتوسط.

على أي حال، فإنّ هناك عدّة وسائل قضائية لحل النزاعات البحرية بشكل عام من بينها المحكمة الدولية لقانون البحار، ومحكمة العدل الدولية، والمحاكم الخاصة، ويفضّل دوماً استنفاد كل الوسائل الودّية المتاحة والتي تتضمن خيارات متعدّدة لحل النزاعات المماثلة بطرق دبلوماسية من خلال التفاوض أو الوساطة أو التسوية والتوفيق.

 ومن الملاحظ أنّه عندما بذلت كل من ألمانيا وإسبانيا الجهود اللازمة مؤخراً للتخفيف من التوتر في شرق البحر المتوسط وتحضير أرضية إيجابية مناسبة لجمع الطرفين التركي واليوناني، قامت أثينا بتوقيع اتفاقية مع مصر انتهكت من خلالها حدود الجرف القاري التركي وفقاً لما أدلى به المسؤولون الأتراك فضلاً عن الاتفاقية التركية- الليبية وحقوق الجانب الليبي. كما تبع ذلك تصعيد من قبل حلفاء اليونان وعلى رأسهم فرنسا ضد تركيا ومحاولات للتحرّش والاستفزاز انتهت بصدام خفيف بين قطعتين بحريّتين لتركيا واليونان.

هذه التطورات تضع علامات استفهام حول نيّة اليونان الذهاب إلى التفاوض في وقت ترى فيه هي ربما أنّ لديها من الحلفاء ما يكفي لإجبار تركيا على القبول بمطالبها التوسّعية شرق البحر المتوسّط. إن صحّ مثل هذا التصوّر لدى اليونان فهو يعبّر عن خطأ فادح في الحسابات قد يدفع باتجاه الانزلاق إلى صدام عسكري شرق البحر التوسط في سيناريو لا يتمناه أي أحد.

عن الكاتب

د. علي حسين باكير

مستشار سياسي - باحث في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس