محمد قدو الأفندي - خاص ترك برس

ربما أكثر ما يميز سقوط العدالة والتنمية المغربي في الانتخابات الأخيرة هي الفجائية في سقوطه المدوي، والذي أثار الكثير من التساؤلات من جميع المراقبين والسياسيين في الدول العربية والأجنبية بعد سنوات من حكمه وهيمنته على السياسة المغربية في ظروف قاهرة أصابته وغيره من أحزاب السلطة وأثرت على كل العواصم العالمية بصورة سلبية، ولا زالت تلك الظروف تشكل عامل عدم استقرار غير طبيعي داخلي في جميع أنحاء العالم، بل تعتبر إحدى أصعب التحديات التي تواجه دول العالم ألا وهي جائحة كورونا.

الغرابة في سقوط حزب العدالة والتنمية المغربي هو التباين الواضح في حالة صعوده مع انكساره، فقد أكد حضوره بعد سلسلة من المشاركات في الانتخابات التشريعية التي أقيمت في الدورات السابقة، فمن الحصول على عدة مقاعد في البرلمان إلى الحصول على بضع عشرات من المقاعد ووصولها إلى قيادة المعارضة ثم قيادة الدولة منذ عام 2011 بعد أن حصلت على أكثر من 100 مقعد ولدورتين متتاليتين.

والانتخابات التي جرت في 8 أيلول/ سبتمبر (التشريعية) كانت في وضع خاص. فالأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها جائحة كورونا، والتي مست كل الدول لم تحُل دون مشاركة واسعة للشعب المغربي في هده الاستحقاقات. فقد سجلت نسبة مشاركة مهمة 50,35%، متجاوزة نسب المشاركة في  الانتخابات السابقة 45,40% سنة 2011 و29, 42% سنة 2016.

ويمكن القول إن الانتخابات جرت في جو سادت فيه الشفافية بحضور أكثر من 100 من المراقبين الدوليين.

وهذا هو وجه الغرابة، فبعد أن قاد الحزب الحكومة في الدورتين السابقتين بمجمل مقاعد 112 و125 مقعدا على التوالي، لم يحصل سوى على 13 مقعدا في الانتخابات الأخيرة، وهذا الصعود التدريجي ويقابله السقوط المدوي الفجائي هو أحد علامات عدم وجود رؤية استراتيجية على الأمد البعيد لهذا الحزب وربما لغيره من الأحزاب العربية.

وهنا لا بد من السؤال: هل يعني ذلك أن الحزب قد خاض الانتخابات الأخيرة وانكسر جماهيريا؟ وهل أصبحت الدولة بمؤسساتها عاجزة عن تقديم المفيد والصالح للشعب في ظل هذه الحكومة؟

بالتأكيد أن جملة من الأمور السلبية المحطمة هي التي أوصلت الحزب لحافة المنحدر الشديد نحو الوادي السحيق.

ومن الطبيعي أن التوافق الداخلي الحزب والالتفاف نحو قيادته الحكيمة هي إحدى أسباب النجاح لكل الأحزاب والقوى السياسية الحكومية والمعارضة، وهذه الصفة فقدت لحزب العدالة المغربي منذ عام 2016 أي بعد الانتخابات بفترة وجيزة، حيث عانى من صراعات وشروخ داخلية أثرت على هيكلية الحزب وقوة صفوفها، وذلك بسبب الاختلافات على طريقة معالجة القضايا والأولويات فيها بين القيادات الحزبية.

وبصدد علاقة الحزب الخارجية مع تحالفاته إبان حكمه، فكان واضحا أنها أثرت بشكل واضح على مسيرة الحكومة التي يقودها الحزب وهذه توضحت بصورة جلية في ولايته الثانية.

هذه المعضلة والتي سبقتها كانتا سببا في حصول تراشقات مع حلفائه في الحكومة، مما أفشل بصورة قطعية في تحقيق الأهداف والشعارات التي رفعها الحزب قبل خوضه الانتخابات الثانية وحتى الأخيرة.

ومما زاد من تراجع شعبية الحزب في الآونة الأخيرة هو ظهور جائحة كورونا التي كانت سببا في تعطيل الكثير من المشاريع، بل إنها كانت سببا في تراكم الأزمات إضافة إلى أزمات الجائحة نفسها والتي كانت كاشفة لضعف إدارة الجهاز الفني والإداري للحزب نفسه في معالجة الأزمات الفجائية والمصيرية.

ولا شك أن أولى علامات تراجع الحزب وشعبيته هو هزيمته في الانتخابات المهنية والنقابية التي سبقت انتخابات المجلس النيابي، والتي أعطت تصورا واضحا أمام الرأي العام عن مدى تراجع مكانة الحزب الجماهيرية، وربما نقول إن الانتخابات النقابية والمهنية قد أغلقت ملف الحزب الجماهيري تماما.

وبالعودة مرة أخرى لمسيرة الحزب الانتخابية، نستطيع القول بأن صعود الحزب وفوزه في انتخابات 2011 وانتخابات 2016 بعد تزعمه المعارضة، والذي أعقب الانتخابات في 2006 كان بسبب ضعف أداء الأحزاب المغربية الأخرى بسبب شيخوخة قياداتها وعدم تجديد الخطاب والبرنامج الانتخابي لها.

وفي هذا، يجب القول بأن بعض الأحزاب التي ليس لها القدرة على مسايرة شؤونها الداخلية، أو على الأقل لم تصل إلى حالة تثبيت منهاجها الحزبي وطريقة تعاملها مع الأحداث في حال فوزها بالحكومة، تطمح بسرعة إلى أن تحكم بلدها، وفي هذه الحالة تخلق حالة من الجذب والشد بين أعضاء الحزب أساسها التجاوب بين تطلعات الجماهير على المدى القصير والتي هي جزء من برنامجها الدعائي، وبين تطوير الاستراتيجيات وأهداف الحزب المركزية الطويلة الأمد.

ويقينًا، فإن حكومة حزب العدالة والتنمية المغربي اضطرت في عهدها الثاني إلى التركيز على أزمة جائحة كورونا، وربما على أهداف خارجية ذات مضمون سيادي، الأمر الذي يعتبر معالجة قصيرة الأمد مع الابتعاد عن هدفها الرئيسي والاستراتيجي، مما أوقعها في مأزق وتقاطع مجبرة عليه، وبالطبع فمن المتوقع أن تصيب هذه الحالة حكومات أحزاب أخرى وبهذه الظروف.

إن بقاء الأحزاب في المسرح السياسي المتقلب دوما يتطلب امتلاك قدرة على النظر إلى المستقبل وتوقع التطورات وامتلاك آليات التحكم في معالجة مطاليب شعبية وتغييرات وعقبات تواجهها.

عن الكاتب

محمد قدو الأفندي

باحث في الشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس