محمود علوش - الجزيرة نت

يعيش الرئيس السوري بشار الأسد أفضل أيامه منذ اندلاع الحرب، فقد تحولت دمشق بعد زلزال السادس من فبراير/شباط إلى مقصد لزيارة وزراء الخارجية والمسؤولين العرب. وقد أجرى الأسد، منذ تلك الفترة العديد من الزيارات الخارجية وشارك في القمة العربية بالرياض بعد استعادة عضوية سوريا في الجامعة العربية. كما رفض، أكثر من مرة، عرضًا من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للقاء به.

بشكل عام، تعكس هذه التحولات شعورا لدى الأسد بالانتصار في الحرب، ولكنه ليس شعورًا حقيقيًا بالكامل. في الأسابيع الأخيرة، اندلعت موجة من الاحتجاجات بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية في محافظتي درعا والسويداء، وسرعان ما تحولت إلى دعوات لرحيل الأسد.

من الصعب الاعتقاد أن هذه الاحتجاجات قد تتحول إلى تهديد جديد لحكم الأسد، فالكثير من المناطق التي استعادها النظام خلال الحرب لم تُظهر تجاوبًا مع هذا الحراك، رغم أن أوضاعها الاقتصادية ليست أفضل. ولكن الاستياء المتزايد بسبب انهيار الوضع الاقتصادي يقوض، بشكل مستمر، قدرة الأسد على تعزيز سيطرته على سوريا كما كانت قبل الحرب.

لا يبدو هذا الاستنتاج نتيجة للاحتجاجات الجديدة أو للسخط الاجتماعي فقط. لا تزال مناطق واسعة من شمال البلاد خارجة عن سيطرة النظام، وتتقاسمها فصائل المعارضة ووحدات حماية الشعب الكردية، الذراع السورية لحزب العمال الكردستاني المعتبر إرهابيًا. أضف إلى ذلك الوجود العسكري التركي في غرب نهر الفرات والوجود العسكري الأميركي في شرقه، مما يجعل من الصعب على النظام استعادة السيطرة على هذه المناطق في المستقبل القريب.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن حقيقة أن ملايين اللاجئين السوريين، الذين فروا من البلاد بعد الحرب، لا يزالون يرفضون العودة إليها في ظل حكم الأسد، تجعل ادعاءه بالانتصار بعيدا عن الواقع، حتى إذا استطاع تغيير المسار العسكري لصالحه بفضل الدعم الروسي والإيراني. بينما يسعى الأسد إلى توسيع نطاق فك عزلته الخارجية، فإن عجزه في التعامل مع الانهيار الاقتصادي يعمل بشكل متزايد على خلق وضعية جديدة في الصراع تجعله عالقًا بين نصر غير مكتمل ومخاطر انفجار اجتماعي جديد. في الواقع، يستمد هذا السخط قوته من حقيقة أن العديد من السوريين، حتى في المناطق التي تخضع لسيطرة النظام حاليًا، يفضلون الهجرة عن البقاء في بلد منهار اقتصاديًا ومفكك اجتماعيًا وجغرافيًا.

يبدو التساؤل عن أسباب الوضع الذي آلت إليه سوريا بعد 12 عامًا من الحرب محيرًا بعض الشيء. لا يزال الأسد عاجزًا عن إعادة التاريخ إلى ما قبل عام 2011، ولكن آمال المعارضة في التخلص من نظامه تقلصت بشكل كبير منذ التدخل العسكري الروسي منتصف العقد الماضي. يعود السبب في ذلك إلى تراجع الدول التي كانت تدعم المعارضة في أولى مراحل الحرب عن هذا الدعم لأسباب مختلفة.

ومع ذلك، فإن التبعات الاقتصادية الكبيرة التي خلفتها الحرب تمنح الصراع اليوم بُعدًا جديدًا، لا تقل قوة عن موازين القوة العسكرية، خصوصًا عندما نعلم أن أكثر من 60% من السوريين اليوم (ما يُقدر بـ 12 مليون شخص) يواجهون الجوع ويكافحون من أجل تأمين لقمة العيش. وبالإضافة إلى ذلك، يعيش 90% من السكان تحت خط الفقر، وما يزيد من المشكلة التي يواجهها الأسد هو أن الدول العربية التي قررت تطبيع العلاقات معه لا تزال تتجنب دعمه اقتصاديًا، إما لأنها تربط ذلك بتحول سياسي أو بسبب العقوبات الغربية المفروضة على النظام أو لكلا السببين معًا.

رغم أن الأسد نجح في إضفاء بُعدٍ طائفي على الصراع خلال سنوات الحرب، فإنه اليوم يبدو عاجزا عن إحكام قبضته المطلقة على المناطق التي تكون فيها الغالبية من العلويين على الساحل السوري. ورغم أن هذه المناطق لا تزال تتجنب تنظيم احتجاجات مشابهة لتلك التي تشهدها المناطق الأخرى خوفًا من القبضة الأمنية، فإن العلويين يجدون أنفسهم اليوم في وضع اقتصادي أسوأ مقارنةً بالسوريين في المناطق الأخرى، ويتصاعد الاستياء من الفساد والمحسوبيات في ظل العقوبات التي يتمسك بها الغرب كورقة ضغط على الأسد لدفعه إلى تقبل انتقال سياسي أو تسوية شاملة للصراع، ستزداد الصعوبات الاقتصادية التي يواجهها الأسد داخليًا، وهو ما قد يتسبب في تسخين السخط الاجتماعي، مما يجعله قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة.

من غير المرجح أن تُشكل التحديات الجديدة التي يواجهها الأسد دافعًا للدول التي سعت في بدايات الحرب إلى الإطاحة بنظامه للانخراط مجددًا في الصراع ومحاولة تغيير الوضع، إذ لم تعد معظم هذه الدول قادرة أو راغبة في ذلك، ولكن الانهيار الاقتصادي في سوريا الذي يجعلها مهددة بأن تصبح دولة فاشلة تضر استقرار المنطقة والعالم، يجب أن يعمل كتحذير للمجتمع الدولي لإعادة التفكير في ضرورة البحث عن خيارات جديدة لزيادة الضغط على الأسد وحلفائه من أجل المشاركة في عملية سياسية حقيقية توصل إلى حل شامل للأزمة.

ومن غير المرجح أن يرى الأسد أي حاجة لإجراء تغييرات سياسية جوهرية، وقد يراهن على تأثير الانهيار الاقتصادي على جيران سوريا لدفع الدول الأخرى إلى دعمه. ومع ذلك، فإن خياراته باتت محدودة، وتزداد المخاطر المرتبطة بفقدانه للدعم الشعبي باستمرار.

عن الكاتب

محمود علوش

صحفي لبناني


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس