ترك برس

شهد النظام الدولي في مطلع عام 2026 تطورًا بالغ الخطورة مع إعلان الولايات المتحدة تنفيذ عملية عسكرية مباشرة ضد فنزويلا، شملت ضرب أهداف استراتيجية والسيطرة الفعلية على إدارة الدولة، إضافة إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى الأراضي الأمريكية.

هذا الحدث، الذي كسر أعراف السيادة والقانون الدولي بصورة غير مسبوقة، أعاد إلى الواجهة نقاشًا واسعًا حول طبيعة التحولات الجارية في بنية النظام العالمي، وحدود القوة الأمريكية، ومعنى ما بات يُعرف بـ«النظام الدولي الجديد».

في هذا السياق، يقدم الخبير والإعلامي التركي نصوحي غونغور قراءة تحليلية تعتبر أن ما جرى في فنزويلا لا يمكن فهمه باعتباره تصرفًا فرديًا أو اندفاعًا شخصيًا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بل بوصفه خطوة مركزية ضمن إعادة تشكيل استراتيجية أوسع للنظام الدولي، تتجاوز الأشخاص وتؤسس لمرحلة جديدة من إدارة القوة والنفوذ.

يرى غونغور في مقال بصحيفة خبر تورك أن التدخل الأمريكي في فنزويلا يمثل واحدة من أكبر خطوات “النظام الجديد” قيد التشكل، وليس مجرد مؤشر أو تمهيد له. فالولايات المتحدة، بحسب الكاتب، لم تُبدِ أي اكتراث بالشرعية الدولية، لا في تنفيذ العملية العسكرية، ولا في اعتقال رئيس دولة ذات سيادة، ولا في إعلان محاكمته داخل الأراضي الأمريكية.

ويؤكد أن جوهر هذا التحرك يتمثل في الاستيلاء المباشر على إدارة دولة مستقلة، والإعلان الصريح عن أن واشنطن ستتولى حكم فنزويلا بنفسها إلى حين إعادة تشكيل النظام السياسي والاقتصادي فيها وفق مصالحها. ويرى الكاتب أن هذه المقاربة تعكس تحولًا نوعيًا في السلوك الأمريكي، حيث لم تعد الحاجة قائمة لتبرير التدخل أو تغليفه بأطر قانونية دولية.

يشدد غونغور على أن تفسير ما جرى من خلال شخصية ترامب أو وصفه بـ«الجنون السياسي» لم يعد تفسيرًا صالحًا. فبرأيه، ترامب ليس صانع هذا النظام الجديد، بل الشخص الأنسب لتنفيذ خطواته الجريئة دون تردد.

ويذهب الكاتب إلى أن النظام الدولي الجديد كان يبحث عن شخصية قادرة على اتخاذ قرارات صادمة، غير مكترثة بالانتقادات الأخلاقية أو القانونية، وهو ما يجعل ترامب، في نظره، أداة مثالية لتنفيذ هذا التحول العميق في السياسة الأمريكية.

يربط غونغور العملية الأمريكية في فنزويلا بما ورد في وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الصادرة في نهاية عام 2025، والتي أكدت أولوية التركيز على نصف الكرة الغربي. ويفسر ذلك برغبة واشنطن في تقليص التزاماتها المكلفة في نصف الكرة الشرقي، سواء عبر نقل المسؤوليات أو تقاسمها مع قوى أخرى.

ويعتبر أن فنزويلا كانت أول تطبيق عملي واضح لهذا التوجه، خاصة في ظل الحشد العسكري الأمريكي في منطقة الكاريبي. كما يرى أن العملية حملت رسائل مباشرة إلى دول أمريكا اللاتينية الأخرى، مفادها أن واشنطن مستعدة لاستخدام القوة الصلبة لضبط محيطها الجيوسياسي المباشر.

بحسب غونغور، لم تكن فنزويلا الهدف الوحيد للعملية، بل استُخدمت أيضًا كمنصة لتوجيه تهديدات مباشرة لكوبا، في ظل العلاقات الاستخبارية الوثيقة التي تربط هافانا بكراكاس، والتنسيق القائم بينهما عبر روسيا.

كما يرى الكاتب أن واشنطن وجهت تحذيرًا واضحًا إلى موسكو بعدم السعي إلى إعادة بناء شراكة عسكرية مع فنزويلا أو تعزيز وجودها في المنطقة، في وقت تنشغل فيه روسيا بجبهتها الأوكرانية.

يؤكد غونغور أن الحديث الأمريكي عن مكافحة كارتلات المخدرات ليس سوى غطاء سياسي وإعلامي. فالهدف الحقيقي، وفق الكاتب، هو النفط الفنزويلي، وهو ما أقر به ترامب علنًا.

ويرى أن هذه الذريعة تخدم غرضين رئيسيين:

تهيئة الرأي العام الأمريكي لتقبل التدخل والسيطرة المباشرة.

توفير إطار عملي لإحكام السيطرة على الدولة ومواردها.

كما يشير إلى أن فنزويلا لا تملك فقط احتياطات نفطية هائلة، بل تحتوي أيضًا على معادن استراتيجية ومناجم ذهب، ما يجعل السيطرة عليها استثمارًا طويل الأمد من منظور واشنطن.

يتوقع غونغور أن الولايات المتحدة ستُحكم قبضتها العسكرية على موارد فنزويلا، وستواصل إدارة البلاد لفترة طويلة إلى أن تضمن قيام نظام سياسي واقتصادي متحالف معها بشكل مطلق. ويرى أن هذا النموذج يعكس شكلًا جديدًا من أشكال الاحتلال، يقوم على الإدارة المباشرة بدل الوصاية غير المعلنة.

يتساءل الكاتب عن قدرة فنزويلا على المقاومة في ظل الانهيار الاقتصادي الذي تعانيه، ويطرح علامات استفهام حول موقف حلفائها التقليديين:

روسيا: يرى أن رد فعلها الخافت يوحي بقبول ضمني بما جرى، مقابل التركيز على الملف الأوكراني.

إيران: يعتبر أنها منشغلة بأزماتها الداخلية، ولا تملك القدرة على دعم فنزويلا فعليًا.

الصين: رغم إدانتها الشديدة للعملية، يشير غونغور إلى أن بكين ستتعامل مع الواقع الجديد ببراغماتية، وستعمل على دراسة سيناريوهات تدفق الطاقة الجديدة بما يخدم مصالحها.

ووفقا قراءة نصوحي غونغور، لا تمثل فنزويلا مجرد ساحة صراع إقليمي، بل نموذجًا أوليًا لطريقة عمل النظام الدولي الجديد، حيث تُدار القوة بشكل مباشر، وتتراجع الاعتبارات القانونية، ويُعاد ترتيب الجغرافيا السياسية وفق منطق الموارد والنفوذ.

ويخلص الكاتب إلى أن ما جرى ليس استثناءً، بل سابقة قد تتكرر في مناطق أخرى من العالم خلال المرحلة المقبلة.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!