
إحسان أقطاش - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
قضية جيفري إبستين ليست حادثة انحراف إجرامي فردي معزولة. هذا الملف يمثل صدمة تكشف التناقضات البنيوية للهيمنة الليبرالية الحديثة. فالأهم من الواقعة ذاتها هو: داخل أي شبكات قوة جرت؟ وبفضل أي آليات حماية استمرت؟ وخلف أي جدران من الصمت أمكن لها أن تدوم لسنوات؟
على مدى القرنين الأخيرين، لم تكتفِ الحضارة الغربية بفرض تفوق عسكري واقتصادي؛ بل ادعت أيضًا تفوقًا معياريًا. فقد قُدِّمت الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون والحريات الفردية بوصفها منظومة قيم كونية لهذه الحضارة. ولا يمكن إنكار أن هذه القيم قد تكرّست مؤسسيًا في سياساتها الداخلية. غير أن التطبيق الانتقائي للمعايير ذاتها على الصعيد الدولي أظهر بوضوح الازدواجية التي حملها النظام الليبرالي منذ بداياته.
لنتذكر مفهوم الهيمنة لدى أنطونيو غرامشي: فالهيمنة لا تُقام بالقسر وحده، بل بإنتاج الرضا. لقد بنى النظام الغربي هذا الرضا عبر إنتاج المعايير. غير أن استمرار إنتاج الرضا يتطلب أن تكون المسافة بين المعيار والممارسة معقولة. وملف إبستين يُظهر تحديدًا أن هذه المسافة قد تجاوزت حدود المعقول.
اللافت في هذه القضية هو التقاء نخب السياسة والمال والأوساط الأكاديمية والإعلام ضمن الشبكات غير الرسمية ذاتها. وهذا الواقع لا ينسجم مع الشفافية المؤسسية التي تفترضها نظرية الدولة الحديثة. إن مفهوم “نخبة السلطة” لدى سي. رايت ميلز يبدو اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى: فالسلطة لا تتركز في النصوص الدستورية، بل في الشبكات، وفي علاقات الاعتماد المتبادل، وفي تداول الأسرار القذرة.
المسألة هنا ليست انحلالًا أخلاقيًا فرديًا. المسألة هي تحوّل تركز القوة إلى حالة غير قابلة للرقابة.
إن ما جرى في غزة بعد 7 أكتوبر، وردود الفعل الصادرة عن العواصم الغربية، أظهر أيضًا كيف يتراجع الخطاب المعياري الليبرالي أمام المصالح الجيوسياسية. فعندما تتحول حقوق الإنسان من مبدأ كوني إلى أداة استراتيجية، يفقد النظام المهيمن مشروعيته الأخلاقية. وكلما اتسعت الفجوة بين مواقف الرأي العام وسياسات الدول، ضعفت قدرة النظام على إنتاج الرضا.
يوحي ملف إبستين بوجود حالة تعفّن في الطبقة النخبوية للنظام الليبرالي. وأستخدم مفهوم “التعفّن” عن قصد، لأن ما نتحدث عنه ليس فراغًا قانونيًا، بل تآكلًا أخلاقيًا. فإذا كان بإمكان سياسيين من أعلى المستويات ودوائر مالية نافذة أن يبقوا لفترات طويلة بمنأى عن المساءلة رغم أخطر الاتهامات، فإن ذلك يدل على أن غريزة النظام في حماية نفسه قد تقدمت على مبدأ العدالة.
في هذه المرحلة، هناك احتمالان: إما أن يعزز النظام الليبرالي آليات الرقابة الداخلية لديه بصورة جذرية ويؤسس لمساءلة حقيقية على مستوى النخب؛ أو أن يفقد قدرته على إنتاج المعايير بشكل دائم. والاحتمال الثاني سيمهّد الطريق أمام مراكز قوى بديلة على المستوى العالمي لتتقدم بادعاء “التفوق الأخلاقي”.
وإذا أردنا تقديم تشخيص حاد: فإن أزمة الغرب اليوم ليست عسكرية ولا اقتصادية؛ بل هي أزمة مشروعية. وفقدان المشروعية لا يمكن تعويضه بالدبابات أو بالتكنولوجيا. فالحضارات لا تقوم بالقوة، بل بالمعنى.
إذا كان القانون يطبق فقط على المواطن العادي لا على النخب؛ وإذا كانت حقوق الإنسان مقيدة بالمصالح الجيوسياسية؛ وإذا كان الإعلام في علاقة تكافلية مع شبكات القوة؛ فعندئذ لا نكون أمام نظام ليبرالي، بل أمام بنية أوليغارشية مغطاة بخطاب ليبرالي.
قضية إبستين لحظة كشفت الستار عن هذه البنية الأوليغارشية. وبعد هذه اللحظة، ثمة احتمالان: إما أن ينقّي النظام نفسه، أو أن تتحول دعوى التفوق التاريخي إلى تآكل عميق في الثقة.
ولنصغ السؤال بحدّة أكبر:
هل خطاب القيم الكونية كوني حقًا، أم هو مجرد غطاء أيديولوجي لتوزيع القوة العالمي؟
إن الجواب عن هذا السؤال لن يحدد مستقبل الغرب فحسب، بل مستقبل النظام العالمي الحديث بأسره.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













