حسناء جوخدار - ترك برس

لطالما كانت إسطنبول مدينة تتقاطع فيها طرق التجارة والحضارات، وهو ما جعلها عبر القرون مركزاً نابضاً بالحرف التقليدية والفنون اليدوية. ففي أزقة الأسواق القديمة والبازارات التاريخية تنتشر المتاجر الصغيرة التي تعرض منتجات صُنعت بعناية فائقة على أيدي حرفيين توارثوا مهاراتهم جيلاً بعد جيل.

اليوم، لا تزال أسواق المدينة تقدم لزوارها تجربة فريدة تجمع بين التاريخ والفن، حيث يمكن العثور على مجموعة واسعة من القطع اليدوية التي تعكس روح الثقافة التركية. من المصابيح الملونة إلى السجاد العثماني والمجوهرات التقليدية، يتحول التسوق في إسطنبول إلى رحلة لاكتشاف التراث.

المصابيح التركية: ألوان الشرق المتلألئة

تعد المصابيح التركية المزخرفة واحدة من أشهر التذكارات التي يمكن اقتناؤها في المدينة. تتميز هذه المصابيح بزجاجها الملون الموزاييك الذي يعكس ألواناً زاهية عند إضاءته، مما يمنح المكان أجواء شرقية دافئة.

وتُعرض هذه المصابيح بكثرة في متاجر البازارات التقليدية، وخاصة في البازار الكبير، حيث تتدلى من السقوف كأنها نجوم صغيرة مضيئة في فضاء السوق.

السجاد والكليم: تراث منسوج بالخيوط

لا يمكن الحديث عن الحرف التركية دون ذكر السجاد والكليم، وهما من أقدم الفنون النسيجية في الأناضول. تتميز هذه القطع بنقوشها الهندسية والرمزية وألوانها الطبيعية التي تعكس ثقافات القبائل والقرى التركية عبر التاريخ.

في سوق السجاد داخل البازار الكبير، يمكن للزائر مشاهدة مئات القطع المعروضة، بعضها مصنوع يدوياً بخيوط الصوف أو الحرير، وبعضها يعود تصميمه إلى تقاليد عمرها مئات السنين.

بلاط إزنيق: الفن العثماني على الخزف

من بين الفنون الحرفية الأكثر شهرة في تركيا بلاط إزنيق، وهو نوع من الخزف المزخرف الذي ازدهر خلال العصر العثماني. يتميز هذا البلاط بألوانه الزاهية، خاصة الأزرق العميق والأحمر القرمزي.

ولا تزال هذه الزخارف تُشاهد حتى اليوم في العديد من المساجد التاريخية والمتاحف في إسطنبول، حيث استخدمت لتزيين الجدران والقباب بأسلوب فني فريد.

الميرشوم: حجر “رغوة البحر”

يُعرف الميرشوم باسم “رغوة البحر”، وهو حجر أبيض خفيف يشبه العاج يوجد في مناطق قريبة من البحر الأسود. ويُستخدم هذا الحجر غالباً في صناعة الغلايين المزخرفة التي تُنحت عليها أشكال دقيقة للغاية.

وتعد تركيا من الأماكن القليلة في العالم التي لا يزال فيها الحرفيون يصنعون منتجات أصلية من هذا الحجر، كما يمكن العثور على مجوهرات وإكسسوارات مصنوعة منه في متاجر الحرف التقليدية.

التحف والأعمال المعدنية العثمانية

بفضل موقعها بين الشرق والغرب، أصبحت إسطنبول عبر القرون محطة رئيسية لطرق التجارة العالمية. وقد ترك ذلك إرثاً غنياً من التحف النادرة القادمة من مناطق بعيدة.

إلى جانب القطع المستوردة، تشتهر الأسواق أيضاً بالأعمال المعدنية العثمانية مثل الصواني النحاسية المزخرفة والصناديق المنقوشة، وهي قطع تعكس مهارة الحرفيين في النقش والتشكيل.

المنسوجات التركية وفن “اليازما”

تتميز المنسوجات التركية بجمال زخارفها ودقة صناعتها. ومن أبرز هذه الفنون اليازما، وهو أسلوب للرسم اليدوي على الأقمشة يستخدم في صناعة الأوشحة والمناديل.

كما تنتشر في هذه المنسوجات خيوط التطريز الذهبية والحريرية، التي تمنحها طابعاً فاخراً يجعلها تُستخدم في الملابس التقليدية أو في تزيين المنازل بالوسائد والمفروشات.

المجوهرات: حرفة ملكية تعود إلى العثمانيين

كانت صناعة المجوهرات من أكثر الحرف احتراماً في الدولة العثمانية. فقد كان البلاط السلطاني يوظف عشرات الحرفيين لصناعة قطع فاخرة للعائلة الحاكمة.

واليوم، لا تزال هذه الحرفة مزدهرة في إسطنبول، حيث يمكن العثور على مجوهرات يدوية مرصعة بالأحجار الكريمة، إضافة إلى تصاميم حديثة تجمع بين الأسلوب التقليدي والذوق المعاصر.

المناشف التركية والحمام التقليدي

إذا كنت تبحث عن منتجات قطنية عالية الجودة، فإن المناشف التركية المعروفة باسم بيشتمل (Peştamal) تعد خياراً مثالياً. تُستخدم هذه المناشف في الحمام التركي التقليدي، وتُنسج من القطن التركي الطبيعي المعروف بمتانته ونعومته.

وبفضل خفة وزنها وسرعة جفافها، أصبحت هذه المناشف اليوم منتجاً شائعاً في الأسواق العالمية.

أحياء التسوق المعاصر

إلى جانب الحرف التقليدية، تضم إسطنبول أيضاً العديد من المتاجر العصرية التي تقدم منتجات يدوية حديثة. ففي منطقة كاراكوي يمكن للزوار استكشاف متاجر صغيرة مميزة تنتشر في الأزقة القديمة، بينما تحتضن منطقة نيشانتاشي أشهر المصممين الأتراك والعالميين.

مدينة تجمع الماضي بالحاضر

تظل إسطنبول واحدة من أفضل المدن في العالم لاكتشاف الحرف اليدوية التقليدية. فبين البازارات التاريخية والمتاجر الحديثة، يمكن للزائر أن يجد قطعاً فريدة تحمل روح الشرق وعبق التاريخ.

إنها مدينة لا تكتفي بعرض منتجات للبيع، بل تقدم حكايات كاملة عن ثقافة عريقة، حيث تتحول كل قطعة فنية إلى شاهد صغير على تاريخ طويل من الإبداع والحرفية.

المصدر: موقع GoTürkiye الترويجي الرسمي

عن الكاتب

حسناء جوخدار

صحفية تركية


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!