
كرم ألكين - صباح - ترجمة و تحرير ترك برس
يتضمن تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» الذي شاركته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هذا الأسبوع مع الرأي العام الدولي، على هامش اجتماع مجلس الوزراء الذي تعقده المنظمة تقليدياً في مثل هذا الوقت من كل عام، أحد أهم التحذيرات الاقتصادية العالمية خلال السنوات الأخيرة. وتتمثل الرسالة الأساسية للتقرير في أن الاقتصاد العالمي لا يواجه فقط مرحلة من تباطؤ النمو، بل يتجه أيضاً نحو فترة تتسم بتعاظم عدم اليقين والهشاشة بصورة متزايدة.
وقد تعاملت الأوساط الاقتصادية والمالية الدولية مع تقييمات خبراء المنظمة على أنها إعلان بأن المخاطر التي يواجهها الاقتصاد العالمي باتت تكتسب طابعاً متشابكاً يغذي بعضه بعضاً. فأمن الطاقة، والتوترات الجيوسياسية، وتعطل سلاسل التوريد، وارتفاع المديونية العامة، والحمائية التجارية، والضغوط التضخمية المستعصية والدائمة، لم تعد مخاطر مستقلة عن بعضها البعض؛ بل تحولت إلى أجزاء متداخلة ضمن بنية فوضوية واحدة.
وفي السيناريو الأساسي للمنظمة، يُتوقع أن يتراجع النمو العالمي إلى مستوى 2.8 في المئة عام 2026. غير أن الجانب اللافت في التقرير يتمثل في سيناريو «استمرار صدمات الطاقة والجيوسياسة». ففي هذه الحالة، يظل خطر تراجع النمو العالمي إلى 2.1 في المئة في عام 2026، ثم إلى 1.8 في المئة في عام 2027 قائماً. ويشير خبراء المنظمة إلى أن مثل هذه المستويات لم تُسجل إلا خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008 وفترة جائحة كورونا.
ويتمثل أول خطر كبير تشير إليه المنظمة في أمن إمدادات الطاقة. إذ يجري التأكيد على أن التطورات في الشرق الأوسط قد تؤدي، عبر أسعار الطاقة، إلى إحداث صدمة تكاليف تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي بأكمله. كما أن ارتفاع أسعار الطاقة لا يؤثر فقط في القطاع الصناعي، بل يمتد أيضاً إلى النقل والزراعة والغذاء وقطاع الخدمات، بما يحمل إمكانية إشعال موجة تضخم عالمية جديدة.
أما الخطر الثاني الحرج فهو التضخم. وتتوقع المنظمة أن يرتفع متوسط التضخم في دول مجموعة العشرين إلى 4 في المئة خلال عام 2026. وقد يؤدي ذلك إلى تأجيل البنوك المركزية لخطط خفض أسعار الفائدة، وإلى بقاء ظروف التمويل العالمية أكثر تشدداً لفترة أطول مما هو متوقع. وفي مثل هذه البيئة، لن يقتصر الأمر على تباطؤ النمو فحسب، بل ستضعف أيضاً شهية الاستثمار.
أما الخطر الثالث فيتعلق بـ سلاسل التوريد والمواد الخام الاستراتيجية. فشبكات الإنتاج العالمية، التي لم تستعد عافيتها بالكامل بعد جائحة كورونا، تتعرض مجدداً للضغوط بسبب صدمات الطاقة والتوترات الجيوسياسية. وعلى وجه الخصوص، فإن الاختناقات المحتملة في أشباه الموصلات والمعادن الحيوية ومنتجات التكنولوجيا المتقدمة قد تؤدي إلى تراجع الإنتاجية العالمية.
أما الخطر الرابع فهو المالية العامة والمديونية. إذ تؤكد المنظمة أن الدين العام في العديد من الاقتصادات المتقدمة بلغ مستويات تاريخية، وأن بيئة أسعار الفائدة المرتفعة تزيد الضغوط على الموازنات العامة. ولذلك، سيكون على العديد من دول المنظمة خلال المرحلة المقبلة إيجاد توازن دقيق بين الحفاظ على الانضباط المالي ودعم النمو الاقتصادي.
وانطلاقاً من هذه المخاطر الأربعة الأساسية، تتمثل الرسالة الرئيسية للمنظمة في أن الدول الكبرى ستجد نفسها تواجه شبكة معقدة من المخاطر إلى درجة أنها لن تتمكن من إنقاذ نفسها منفردة عبر برامج تهدف فقط إلى دعم النمو. لقد أصبحت الأيام التي كان يمكن فيها تقييم الاقتصاد العالمي من خلال أرقام النمو وحدها جزءاً من الماضي.
فأمن الطاقة، وأمن سلاسل التوريد، والقدرة التكنولوجية، والمتانة المالية، والقدرة على الصمود الجيوسياسي، ستكون جميعها من العناصر الحاسمة بالنسبة للدول الكبرى خلال المرحلة المقبلة.
أما المفهوم الرئيسي لهذه المرحلة فهو «اقتصاد الصمود». ففي عالم تتضاعف فيه المخاطر العالمية، وتتراجع فيه القدرة على التنبؤ، وتتعمق فيه الانكسارات الجيوسياسية، سيكون على الدول أن تنجح في بناء قدرة أكبر على مقاومة الصدمات.
وخلال العامين المقبلين، لن يُقاس النجاح بمدى سرعة نمو دولة ما، بقدر ما سيُقاس بقدرتها على بناء هيكل اقتصادي أكثر صموداً في مواجهة الأزمات.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس












