
عبد الله مراد أوغلو - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
لم أكن طوال حياتي مهتماً بكرة القدم. وقد يحدث أحياناً أن ألقي نظرة عابرة على المباريات الدولية. ولا بد أن أعترف بأن مشاهدتي للشوط الثاني من «مباراة إسبانيا والأرجنتين» مساء الأحد قوبلت بشيء من الدهشة، بل وابتسامات ذات مغزى، من أفراد الأسرة.
وفي نهاية المطاف، فازت إسبانيا بكأس العالم بهدف وحيد، واضطر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تعليق الميداليات بيديه على أعناق لاعبي المنتخب الإسباني. كان مشهداً يستحق المشاهدة، وقد استمتعت به بطبيعة الحال. ولا شك أن ترامب، بحكم موقفه السلبي الشديد وحساسيته تجاه الإدارة الإسبانية الحالية، كان سيكون أكثر سعادة لو أن الأرجنتين هي التي فازت.
وكان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز قد أثار غضب ترامب لأنه لم يسمح باستخدام القواعد العسكرية في بلاده من قبل الطائرات الحربية الأمريكية. كما أن سانشيز لا يحظى بأي قدر من المحبة لدى المجرم نتنياهو، بسبب موقفه العلني من الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة. وكانت حكومة سانشيز قد اعترفت رسمياً بدولة فلسطين في مايو/أيار 2024، كما انضمت إلى قضية «الإبادة الجماعية» المرفوعة ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية.
وكان نتنياهو، قاتل آلاف الأطفال، قد أعلن أمام الجميع قبل المباراة أنه سيكون في غاية السعادة إذا خسرت إسبانيا وفازت الأرجنتين. كما نقل رئيس الأرجنتين خافيير ميلي، المعروف بولائه المتطرف لإسرائيل، مشاعر امتنانه لنتنياهو عبر حاخام إسرائيل لدى الأرجنتين شمعون أكسل واهنيش. والحمد لله، فإن المنتخب الإسباني لم يُسعد المجرم نتنياهو وميلي، بل أسعدنا نحن.
وبالمناسبة، سأورد بعض المعلومات عن خافيير ميلي. فالرجل، الذي يُنظر إليه بوصفه أكثر ممثلي «النيوليبرالية الزومبية في تسعينيات القرن الماضي» تطرفاً، يفضل أن يصف نفسه بـ«الرأسمالي الفوضوي». لكن عندما تعثرت سياساته الاقتصادية، تخلى عن فوضويته، ولجأ بمساعدة ترامب إلى الحصول على التمويل من صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ووزارة الخزانة الأمريكية.
وينحدر ميلي من عائلة كاثوليكية ذات أصول إيطالية، ويقول إنه اكتشف أن جده من جهة والدته كان يهودياً. بل إنه أعلن، قبل انتخابه رئيساً، أنه سيعتنق الديانة اليهودية. إلا أن الروايات تقول إن ميلي علّق فكرة اعتناق اليهودية بسبب «قواعد السبت» الواردة في التوراة، التي تحظر العمل يوم السبت والعديد من الأفعال الأخرى.
ورغم أنه لم يعتنق اليهودية، فقد اشتهر ميلي خلال التجمعات السياسية التي سبقت الانتخابات باستخدام رموز يهودية، مثل «الشوفار» وهو بوق مصنوع من قرن الكبش، إلى جانب التلويح بالعلم الإسرائيلي وهو يضع القلنسوة اليهودية على رأسه. وبعد انتخابه رئيساً، زار سراً في نيويورك قبر الحاخام مناحيم مندل شنيرسون، الزعيم الروحي الأخير لحركة «حباد لوبافيتش»، الذي توفي عام 1994، لكن أتباعه ما زالوا يعتقدون أنه لا يزال حياً ويعتبرونه «المسيح».
وأظهر ميلي دعمه الكامل للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل، كما عبر عن محبته لنتنياهو بتعيين شمعون أكسل واهنيش، الذي يوصف أيضاً بأنه حاخامه الشخصي، سفيراً للأرجنتين لدى إسرائيل. كما عيّن ترامب القس الإنجيلي السابق مايك هاكابي، المعروف بتأييده المتطرف للصهيونية المسيحية، سفيراً للولايات المتحدة لدى إسرائيل. وقد ذُكر في البرلمان الأرجنتيني أن بعض النواب ذكّروا واهنيش بأن ولاءه يجب أن يكون لبلاده لا لإسرائيل، كما شهدت الولايات المتحدة توجيه تحذيرات مماثلة لهاكابي.
وهذا هو ميلي نفسه الذي ذرف الدموع بحرارة وهو يرتدي القلنسوة اليهودية عند «حائط البراق» في القدس، خلال زيارته لصديقه نتنياهو. وفي المقابل، منحت إسرائيل ميلي «جائزة جينيسيس»، التي تُعرف أيضاً باسم «جائزة نوبل اليهودية»، وتبلغ قيمتها مليون دولار أمريكي. وقد تعهد ميلي بإنفاق قيمة الجائزة على تعزيز العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل ودول أمريكا اللاتينية، في إطار ما يسمى «اتفاقيات إسحاق».
وكان من بين الوعود التي قدمها ميلي لإسرائيل نقل سفارة الأرجنتين إلى القدس المحتلة. ومن بين الدول الأعضاء الـ193 في الأمم المتحدة، لم تنقل سفاراتها إلى القدس سوى سبع دول فقط. وإذا انضمت الأرجنتين إليها، سيرتفع العدد إلى ثماني دول. لكن ميلي، ولأسباب لا نعرفها على وجه التحديد، لم يفِ بوعده حتى الآن.
وخلاصة القول، إن عدد الذين بكوا لهزيمة الأرجنتين في مباراة إسبانيا والأرجنتين كان قليلاً، بينما كان عدد الذين فرحوا بفوز إسبانيا كبيراً. أما ليونيل ميسي، نجم المنتخب الأرجنتيني، فلم يتمكن من حبس دموعه بعد المباراة. والحال أنه لو كان منتخب بلاده قد فاز، لكان الأجدر به أن يبكي. وكان ينبغي لميسي أن يفرح على وجه الخصوص لأنه نجا من عبء الضمير المتمثل في إسعاد مجرم أصدر أوامر بقتل آلاف الأطفال. فمباراة كرة القدم ليست فوق الإنسانية.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













