
جهاد إسلام يلماز - إندبندنت تركية - ترجمة وتحرير ترك برس
يُقرأ ملف مكافحة الإرهاب في الأدبيات الأمنية غالبًا من خلال محورين: التصفية المادية أو التفاوض. فإما أن تقوم الدولة بتفكيك التنظيم عبر العمليات المسلحة، أو تجلس معه إلى طاولة المفاوضات عبر القنوات السياسية.
ورغم أن هذه الثنائية تمثل إرثًا لعقيدة أمنية امتدت قرنًا من الزمن، فإنها أصبحت اليوم إطارًا غير كافٍ.
فالنهج الذي طورته تركيا في الآونة الأخيرة يقترح طريقًا ثالثًا خارج هذه الثنائية: عتبة التفكك.
تشير عتبة التفكك إلى فن إدارة نقطة الانكسار الحرجة التي يُدفع فيها تنظيم ما أو شبكة مسلحة نحو التفكك بفعل دينامياتها الداخلية، لا من خلال التصفية المادية.
ويرتكز العقل الاستراتيجي لجهاز الاستخبارات الوطنية التركية في هذا المجال على المبدأ التالي: بدلًا من هدم البنية من الخارج، تنظيم الظروف التي تجعل تفككها من الداخل ممكنًا.
وهذا لا يعني السلبية، بل على العكس، ربما يكون الشكل الأكثر تطلبًا من أشكال التدخل النشط.
لقد أثبتت عقود من الخبرة في مكافحة الإرهاب محدودية استراتيجيات التصفية المادية. فالتنظيمات تمتلك قدرة عالية على التكيف التفاعلي: يُقتل القائد فيحل محله آخر؛ تُفكك خلية فتُعاد هيكلة الشبكة؛ تُفقد الجغرافيا فيُنقل الفكر الأيديولوجي إلى الفضاء الرقمي.
وفي حالة حزب العمال الكردستاني، شكّل هذا النمط أطول وأعلى التجارب الأمنية تكلفة بالنسبة إلى تركيا.
فعلى الرغم من آلاف العمليات، وتحييد مئات القيادات، وإنفاق موارد مالية ضخمة، تمكن التنظيم من الحفاظ على وجوده.
ويقف حزب العمال الكردستاني، شأنه شأن أي تنظيم إرهابي، على ثلاثة أعمدة أساسية: الأيديولوجيا، والشبكة اللوجستية، والقدرة على إنتاج الموارد البشرية.
ومن الممكن كسر أي من هذه الأعمدة من الخارج، لكن سرعان ما تدخل آليات احتياطية لتعويض ما تم كسره.
أما التفكك الدائم، فلا يتحقق إلا عندما تبدأ هذه الأعمدة بالتآكل ضمن التوازنات الداخلية للتنظيم نفسه.
وهنا تحديدًا يكتسب مفهوم «عتبة التفكك» معناه.
تشريح العتبة
لا تُبنى الشروط اللازمة للوصول إلى «عتبة التفكك» من خلال تدخل حاسم واحد، بل عبر عمليات تراكمية مترابطة.
ويمكن رصد أربع آليات أساسية يعمل عليها جهاز الاستخبارات الوطنية التركية في هذا المجال:
أولًا، إضعاف سلسلة الثقة.
فاستمرارية عمل التنظيمات الإرهابية تعتمد على الثقة بين مستويات القيادة المختلفة. وعندما يبدأ التنظيم بالتشكيك في نفسه من الداخل، لا تتضرر قدرته العملياتية فحسب، بل تتعرض وحدته الأيديولوجية أيضًا للاهتزاز.
ثانيًا، تراكم الضغط اللوجستي.
فبدلًا من إغلاق عملية لوجستية كبيرة واحدة، يتم تعريض جميع نقاط اتصال الشبكة لضغط مستمر ومتراكم؛ من خلال إبطاء قنوات الاتصال، وقطع تدفقات التمويل، وتعقيد عمليات العبور عبر الحدود.
ثالثًا، كسر دورة إنتاج الموارد البشرية.
فكل تنظيم إرهابي يمتلك بيئة حاضنة وآلية للتجنيد.
وفي هذا المجال، تعمل الأنشطة الاستخباراتية التي ينفذها جهاز الاستخبارات الوطنية التركية بالتوازي مع جهود التنمية الاجتماعية والاقتصادية، والتكامل مع الإدارات المحلية، وإدارة التصورات المجتمعية، على تجفيف قدرة التنظيم على إنتاج كوادر جديدة.
رابعًا، وربما الأهم، دفع طبقة القيادة إلى التناقض الداخلي.
فاتساق التنظيمات الأيديولوجي يعتمد على الانسجام الداخلي لهرمها القيادي.
ولا تقتصر الضغوط الموجهة التي كثفها جهاز الاستخبارات الوطنية التركية في الآونة الأخيرة على ما يسمى بالقيادات الميدانية للتنظيم، بل تشمل أيضًا صناع القرار الاستراتيجيين.
وعلى خلاف الفترات السابقة، تُنفذ هذه التدخلات بشكل متكرر في العراق وسوريا وإيران.
فالتنظيم الذي تتعرض سلسلة قيادته للانقطاع المستمر لا يستطيع الحفاظ على تماسكه، سواء على المستوى التكتيكي أو الأيديولوجي.
وتصبح هوية صانع القرار، والاتجاه الذي يتحول إلى معيار تنظيمي، مسألة غامضة.
وهذا الغموض يزرع بذور التفكك من الداخل.
عتبة التفكك في إطار رؤية «تركيا خالية من الإرهاب»
غالبًا ما تُقرأ رؤية «تركيا خالية من الإرهاب» في الخطاب الأمني بوصفها هدفًا عملياتيًا يتمثل في إنهاء الوجود المسلح لحزب العمال الكردستاني.
ورغم صحة هذه القراءة، فإنها تظل غير كافية.
فعند النظر إليها من منظور «عتبة التفكك»، يتضح أن هذه الرؤية تمثل في الواقع اسمًا لخريطة استراتيجية أكثر شمولًا: إعطاء الأولوية لتصفية الظروف التي تُبقي التنظيم قائمًا، قبل تصفية التنظيم نفسه.
وفي هذا الإطار، لا يتمثل دور جهاز الاستخبارات الوطنية التركية في كونه مؤسسة تنفذ العمليات فحسب، بل في كونه مؤسسة تدير الظروف التي تجعل تلك العمليات ممكنة.
فالحفاظ على القنوات الدبلوماسية مفتوحة، والتنسيق الأمني المتفاوض عليه مع دول المنطقة، وتجفيف مصادر الدعم الخارجي للتنظيم تدريجيًا، وبناء قناعة لدى الرأي العام بأن «الكفاح المسلح وحده لا ينتج حلًا»، كلها عناصر تشكل البنية التحتية الاستراتيجية التي تحمل الهيكل الظاهر للعمليات العسكرية، لكنها غالبًا ما تمر دون انتباه.
ويُعد تطور العلاقات مع العراق خلال السنوات الأخيرة انعكاسًا ملموسًا لهذه الاستراتيجية.
ففي منطقة تنتج فيها التدخلات العسكرية المباشرة نتائج مرتفعة التكلفة، نجح جهاز الاستخبارات الوطنية التركية، عبر شراكات استخباراتية وقنوات دبلوماسية مع الدول المضيفة، في تضييق مساحات الملاذ الآمن للتنظيم.
ويعمل هذا الحصار وفق مبدأ العزل الاستراتيجي قبل التصفية المادية.
ومن أكثر الانتقادات شيوعًا الموجهة إلى استراتيجية عتبة التفكك أنها تخلق انطباعًا سلبيًا وغير فعال لدى الرأي العام.
وذلك لأن هذه الاستراتيجية لا تستند إلى عمليات صاخبة، أو نتائج فورية، أو روايات انتصار يمكن إعلانها بسهولة.
غير أن هذا النقد يتجاهل الفارق الجوهري بين الظهور قصير الأمد والتأثير الاستراتيجي طويل الأمد.
فالهدف من هذا النهج هو إضعاف قدرة التنظيم على إنتاج السرديات والمعاني التي تضمن استمرارية وجوده، بقدر ما يستهدف قدرته المادية.
ومع تراجع حضور التنظيم، يصبح من الصعب عليه الحفاظ على تماسكه الداخلي، وإنتاج الدوافع، وإدارة توتراته الداخلية.
وعليه، فإن الهدف ليس قمع الإرهاب مؤقتًا، بل إنشاء عتبة يفقد عندها الإرهاب قدرته على إعادة إنتاج نفسه واستدامة وجوده.
وهذا يمثل تحولًا أعمق وأكثر ديمومة من اللحظة الرمزية للنصر العسكري.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











