
د. عثمان غازي قندمير - إندبندنت تركية - ترجمة وتحرير ترك برس
يحاول دونالد ترامب تقديم العملية العسكرية ضد إيران على أنها قصة نجاح. غير أن الوقائع التي تكشفت على الأرض لا تؤيد هذا الخطاب.
فلم ينتهِ البرنامج النووي الإيراني، ولم يتغير النظام، كما لم تتمكن الولايات المتحدة من ترسيخ تفوق استراتيجي دائم في المنطقة. وبعد انتهاء العملية، بقيت أسئلة جديدة حول مدى احتفاظ واشنطن بقوة الردع التي تتمتع بها.
ولا تقتصر المشكلة على الملف الإيراني وحده. ففي السياسة الدولية، لا تُقاس القوة بحجم القدرات العسكرية التي تمتلكها الدولة فحسب، بل أيضاً بالطريقة التي تُدرَك بها تلك القدرات.
فعندما تمارس دولة ما الضغوط ولا تتمكن من تحقيق النتيجة التي تريدها، فإن ذلك لا يغيّر موازين القوى في الميدان فحسب، بل يعيد أيضاً تشكيل حسابات الأطراف الأخرى. وقد أعادت الصورة التي تشكلت عقب العملية ضد إيران رسم الانطباعات بشأن القوة التفاوضية لإدارة ترامب.
وقد برز هذا التغيير بأوضح صوره في أوروبا. إذ أظهرت قمة مجموعة السبع (G7) أن الحلفاء الغربيين يواجهون صعوبة في التوصل إلى موقف موحد.
ولم تسفر القمة عن بيان مشترك شامل، بل اكتفت بإصدار نصوص محدودة تناولت موضوعات مختلفة.
ولم تُظهر الدول الأوروبية انسجاماً كاملاً مع واشنطن، لكنها في الوقت نفسه لم تختر إظهار قطيعة علنية معها. وبهذا حاولت الحفاظ على توازن يجنبها تصعيد التوتر، مع الإبقاء على مسافة سياسية في الوقت ذاته.
ويتوافق هذا النهج أيضاً مع التغير الذي طرأ على خطاب ترامب تجاه أوروبا. فبعد أن كان في السابق يمارس ضغوطاً شديدة عبر ملفات الرسوم الجمركية، وإنفاق حلف الناتو، والتجارة، بات اليوم يستخدم لغة أكثر حذراً.
وبالطبع، فإن الخلافات لم تختفِ. ومع ذلك، يلاحظ أن اللهجة الحادة التي سبقت العملية ضد إيران قد حلت محلها مقاربة أكثر تحفظاً. ولا يكفي تفسير هذا التحول على أنه مجرد اختلاف في أسلوب التواصل؛ فالتغير الحقيقي يكمن في الأرضية السياسية التي أفرزها ميزان القوى الدولي.
وقد برز مشهد مشابه أيضاً بالنسبة إلى روسيا. فقد كانت موسكو تتوقع أن تؤدي عودة ترامب إلى البيت الأبيض إلى إضعاف عزيمة الغرب بشأن أوكرانيا.
إلا أن هذه التوقعات لم تتحقق. فلم يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار، واستمرت العقوبات، ولم يتوقف الدعم الأوروبي لأوكرانيا. ويبدو أن تقديرات الكرملين التي راهنت على حدوث انقسام عميق داخل المعسكر الغربي لم تجد ما يؤكدها حتى الآن.
كما أن السياسة التي اتبعتها أوروبا خلال هذه المرحلة تستحق الانتباه. فقد زادت ألمانيا إنفاقها الدفاعي، بينما واصلت فرنسا وبريطانيا مناقشة ترتيبات أمنية أوروبية تضمن الأمن طويل الأمد لأوكرانيا.
أما دول أوروبا الشرقية، فقد اتجهت إلى تعزيز قدراتها الردعية من خلال زيادة موازناتها الدفاعية. وربما لا تكون هذه الخطوات حاسمة بمفردها.
لكن عند النظر إليها مجتمعة، فإنها تشير إلى تحول دائم في مفهوم الأمن الأوروبي. أما بالنسبة إلى بوتين، فالمعنى واضح: إن الحسابات الاستراتيجية التي قامت على فرضية تفكك الغرب لم تعد تبدو بالقدر نفسه من الموثوقية.
ومن الحقائق الأخرى التي كشفت عنها العملية ضد إيران أن الولايات المتحدة ما زالت بحاجة إلى حلفائها. فقد قدمت دول الخليج دعماً لوجستياً في حدود معينة.
في المقابل، لم تنجح العملية في حشد دعم سياسي دولي قوي. كما أن الموقف الأوروبي المتحفظ ترك واشنطن معزولة دبلوماسياً إلى حد كبير. فمواصلة ممارسة الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية في آن واحد على قوة إقليمية يشكل عبئاً يتجاوز قدرات دولة واحدة.
وهذا في الأصل هو النهج الأساسي الذي استندت إليه السياسة الخارجية الأمريكية لعقود طويلة. فقد حافظت واشنطن على نفوذها العالمي ليس بفضل قوتها العسكرية وحدها، بل أيضاً من خلال شبكة التحالفات التي أقامتها. وكان حلف الناتو أبرز مثال على ذلك.
كما أن الشراكات الأمنية في آسيا، والترتيبات الدفاعية في منطقة الخليج، والعلاقات التي نسجتها مع المؤسسات الغربية، كلها كانت أجزاء من المنطق نفسه. وقد دأب ترامب، منذ حملاته الانتخابية، على التشكيك في هذا البناء.
غير أن العملية ضد إيران نقلت هذا النقاش من الإطار النظري إلى التطبيق العملي. وأظهرت النتائج أن التحالفات لا تزال أحد أهم عوامل مضاعفة القوة الأمريكية.
وقد تؤثر هذه التطورات أيضاً في موازين المرحلة المقبلة. فكلما عززت أوروبا قدراتها الدفاعية المشتركة، وتحركت بصورة أكثر تنسيقاً في سياستها الخارجية، تراجعت فعالية أدوات الضغط التي تمتلكها واشنطن تجاه القارة.
ذلك أن القوة التفاوضية تعتمد في كثير من الأحيان على هشاشة الطرف المقابل. أما عندما يتحرك تكتل أكثر تنسيقاً وتماسكاً، فإن استخدام الأساليب نفسها يصبح أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
ويمكن قراءة اللغة الأكثر حذراً التي يستخدمها ترامب في الآونة الأخيرة في هذا السياق. فهو لم يحقق النتيجة التي كان ينتظرها في إيران.
كما رأى أن أوروبا قادرة على التحرك بصورة مشتركة في القضايا الحساسة، وأن الانقسام الذي كانت روسيا تتوقعه بشأن أوكرانيا لم يحدث. وعند تقييم هذه التطورات مجتمعة، يتضح بصورة أكبر أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لإنتاج نتائج سياسية.
ولا يعني ذلك أن ترامب غيّر رؤيته للسياسة الخارجية تغييراً جذرياً. فالتكتيك المرن ليس هو التحول الاستراتيجي.
ومع ذلك، أصبحت القيود التي يفرضها النظام الدولي أكثر وضوحاً اليوم. فما خسره في إيران لم يكن مجرد مواجهة عسكرية.
إن العنصر الذي تعرض للتآكل في الحقيقة هو الصورة التي كانت توحي بأن واشنطن قادرة على تحقيق ما تريده في جميع الظروف. وفي السياسة الدولية، قد تكون أكبر الخسائر أحياناً هي اهتزاز هذه الصورة بالذات.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










