ترك برس

سجلت ولاية غازي عنتاب جنوب تركيا تراجعاً ملحوظاً في أعداد السوريين الخاضعين للحماية المؤقتة خلال العامين الماضيين، بالتزامن مع تسارع حركة العودة إلى سوريا، ما بدأ يترك انعكاسات واضحة على سوق العمل وبعض الأنشطة التجارية في المدينة.

وبحسب بيانات إدارة الهجرة التركية التي نقلتها وسائل إعلام محلية (Haber 342)، انخفض عدد السوريين المسجلين في غازي عنتاب من مستويات قاربت 450 ألف شخص خلال السنوات الماضية إلى 316 ألفاً و782 شخصاً في يوليو/تموز 2026، قبل أن تظهر بيانات أحدث في نهاية الشهر تشير إلى استمرار الانخفاض ليصل العدد إلى نحو 315 ألفاً و29 شخصاً. 

ويأتي هذا التراجع ضمن موجة أوسع من العودة إلى سوريا تسارعت منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024. وقال وزير الداخلية التركي في يوليو/تموز إن نحو ألف سوري يغادرون تركيا يومياً في المتوسط باتجاه بلادهم، وفق ما نقلته الصحافة التركية، في مؤشر على استمرار وتيرة العودة خلال عام 2026.

وبدأت آثار انخفاض أعداد السوريين تظهر بصورة خاصة في القطاعات التي اعتمدت خلال السنوات الماضية على العمالة السورية، وفي مقدمتها صناعة الأحذية والنسيج وبعض الأنشطة الصناعية كثيفة العمالة.

وكان رئيس غرفة صناع وتجار الأحذية في غازي عنتاب محمد أمين إنجه قد قال، في تصريحات نقلتها وكالة إخلاص للأنباء (IHA)، إن عودة السوريين أدت إلى تفاقم مشكلة نقص العمالة في قطاع الأحذية، مشيراً إلى أن نحو 10 آلاف سوري كانوا يعملون في هذا القطاع قبل بدء موجة العودة.

كما تحدثت تقارير اقتصادية خلال الأشهر الماضية عن اتساع فجوة العمالة في قطاعي النسيج والملابس الجاهزة مع مغادرة عدد من العمال السوريين، ولا سيما في المهن التي تتطلب عمالة يدوية أو خبرة اكتسبها العاملون على مدى سنوات. 

ولا تقتصر التأثيرات على سوق العمل، إذ لعب السوريون منذ بداية موجة اللجوء دوراً بارزاً في النشاط التجاري لغازي عنتاب، من خلال تأسيس متاجر وشركات وشبكات تصدير ترتبط بالأسواق السورية والعربية. وسبق أن أظهرت بيانات قطاع الأحذية، وفق صحيفة «إكونوميم»، حضوراً كبيراً للشركات السورية في صادرات هذا القطاع من المدينة.

ولا تزال غازي عنتاب، رغم الانخفاض المتواصل، واحدة من أكبر مراكز تجمع السوريين في تركيا، وتأتي بعد إسطنبول من حيث أعداد المسجلين تحت الحماية المؤقتة بحسب ترتيب الولايات المنشور خلال الفترة الأخيرة. 

ومن المتوقع أن تواصل حركة العودة التأثير في التركيبة السكانية والاقتصادية للمدينة خلال المرحلة المقبلة، فيما تواجه قطاعات صناعية وتجارية تحدياً يتمثل في تعويض العمالة والخبرات وشبكات الأعمال التي تشكلت خلال أكثر من عقد من الوجود السوري الكثيف في غازي عنتاب.

بدأ تدفق السوريين إلى تركيا مع اندلاع الاحتجاجات والحرب في سوريا عام 2011، وتحولت تركيا خلال السنوات التالية إلى أكبر دولة مضيفة للسوريين الفارين من النزاع. وبسبب احتفاظ أنقرة بـ«القيد الجغرافي» على اتفاقية جنيف للاجئين لعام 1951، لا يُمنح معظم السوريين صفة «لاجئ» بالمعنى القانوني الكامل في تركيا، بل يخضعون لنظام الحماية المؤقتة الذي نُظّم بصورة رسمية عام 2014، ويتيح لهم الإقامة والوصول إلى خدمات أساسية مثل الصحة والتعليم، وفق القواعد التركية.

ومع ارتفاع أعداد السوريين إلى أكثر من ثلاثة ملايين، أصبح الملف جزءاً أساسياً من العلاقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي. ففي مارس/آذار 2016 توصل الجانبان إلى تفاهم للحد من الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، بالتوازي مع تمويل أوروبي واسع لدعم اللاجئين والمجتمعات التركية المضيفة. وخصص الاتحاد الأوروبي نحو 6 مليارات يورو عبر «مرفق اللاجئين في تركيا» بين 2016 و2019، ثم حشد 6 مليارات يورو إضافية للفترة 2020-2027. 

داخلياً، تحول وجود السوريين تدريجياً إلى قضية سياسية واجتماعية شديدة الحساسية، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم والضغط على سوق العمل والخدمات. وبرزت مطالب بإعادتهم إلى سوريا خلال الحملات الانتخابية التركية، كما شهدت مدينة قيصري ومدن أخرى في يوليو/تموز 2024 أعمال عنف استهدفت ممتلكات ومحال يملكها سوريون، قبل أن تتدخل السلطات وتعتقل مئات الأشخاص. 

وجاء التحول الأكبر بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، إذ بدأت العودة إلى سوريا تتسارع بصورة ملحوظة. ووفق بيانات إدارة الهجرة التركية، تجاوز عدد من عادوا طوعياً من تركيا منذ ذلك التاريخ 700 ألف شخص بحلول أواخر يونيو/حزيران 2026، فيما أفادت السلطات في يوليو/تموز 2026 بأن عدد السوريين الخاضعين للحماية المؤقتة انخفض إلى نحو 2.2 مليون شخص، مقارنة بأكثر من 3.5 ملايين قبل سنوات. 

ورغم تسارع العودة، لا يزال الملف بعيداً عن الإغلاق؛ فجزء كبير من السوريين أمضى أكثر من عقد في تركيا، ونحو ثلث المسجلين تحت الحماية المؤقتة وُلدوا داخل البلاد بحسب مسؤولين أتراك. وفي المقابل، تواجه العودة تحديات داخل سوريا، بينها الدمار الواسع للمساكن والبنية التحتية، وضعف الخدمات وفرص العمل، ومخاطر مخلفات الحرب، ما يجعل سرعة واستدامة العودة مرتبطة بدرجة الاستقرار الأمني والاقتصادي وإعادة الإعمار في سوريا.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!