تونج دميرطاش - فوكس بلس - ترجمة وتحرير ترك برس

إن اتفاق الدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان، الذي وُقّع في مكة في 7 أغسطس، يبدو في القراءة الأولى وكأنه نص يهدف إلى تعميق التعاون العسكري بين الدول الثلاث. غير أن المعنى الحقيقي للاتفاق لا ينبغي البحث عنه في العواصم الموقعة عليه بقدر ما ينبغي البحث عنه في الجغرافيا التي يتعهد بحمايتها. فما يتغير اليوم في الشرق الأوسط ليس مفهوم الأمن فحسب، بل الخريطة التي يُعاد تعريف الأمن من خلالها.

الولايات المتحدة لا تنسحب... لكنها تفقد احتكارها

على مدى عقود، كانت معادلة أمن الخليج بسيطة نسبياً: تتولى واشنطن تقديم الضمانة العسكرية، فيما تلتزم دول المنطقة باستمرار تدفقات الطاقة. وقد تأسس منطق هذه المعادلة منذ اللقاء بين الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت والملك عبدالعزيز عام 1945، ثم اكتسب طابعاً مؤسسياً مع «عقيدة كارتر» عام 1980، واستمر في العمل لفترة طويلة.

لكن ركائز هذا النظام بدأت تتآكل خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة. فتوجه الولايات المتحدة نحو آسيا والمحيط الهادئ، ورد الفعل المحدود على هجوم بقيق عام 2019، والطريقة التي جرى بها الانسحاب من أفغانستان، وأخيراً تحمّل دول الخليج كلفة المواجهة خلال الأزمة الأمريكية-الإيرانية من دون أن تكون حاضرة على طاولة القرار؛ كلها عوامل دفعت دول المنطقة إلى طرح سؤال أساسي: هل سيظل الأمن يُنتَج من الخارج وحده، أم ينبغي أن يُبنى أيضاً من خلال قدرات إقليمية مترابطة؟

لهذا سيكون من المضلل قراءة الاتفاق باعتباره دليلاً على «انسحاب الولايات المتحدة». فواشنطن ما تزال حاضرة عسكرياً في المنطقة، وما تزال تحتفظ بقدر كبير من التأثير. ما يتآكل ليس الوجود الأمريكي بقدر ما هو احتكار إنتاج الأمن.

فدول المنطقة لم تعد مجرد أطراف تطلب الحماية، بل بدأت تتحول إلى فاعلين يربطون قدراتهم ببعضها بعضاً، ويعملون على إعداد استجابات مشتركة للأزمات.

هذا التحول ينتج بنية أمنية من مستويين.

المستوى الأول يتمثل في «تحالف الدفاع البحري متعدد الجنسيات» الذي أُنشئ في الرياض في 30 يوليو ويضم أربع عشرة دولة. ويركز هذا الإطار على البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، لكنه لا يتضمن التزاماً بالدفاع الجماعي على غرار حلف شمال الأطلسي. إنه منصة واسعة لإنتاج الوعي المشترك بالمجال البحري، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنظيم التدريبات المشتركة، وتنسيق العمليات.

أما اتفاق مكة الذي وُقّع بعد ذلك بأسبوع، فيعكس خياراً أضيق نطاقاً لكنه أكثر إلزاماً، إذ ينص على اعتبار أي هجوم مسلح على واحدة من الدول الثلاث هجوماً على الجميع.

بمعنى آخر، نحن أمام تحالف بحري واسع وشامل، وفي داخله نواة دفاعية محدودة العدد لكنها مرتفعة القدرات. وليس من قبيل المصادفة أن تكون تركيا والسعودية وباكستان في قلب المستويين معاً.

الجغرافيا الأمنية الجديدة بحرية وليست برية

أما التحول الأهم فيتعلق بطبيعة المجال الذي يستهدفه الاتفاق.

فالقضية الحقيقية في اتفاق مكة ليست حماية الحدود البرية بقدر ما هي ضمان استمرارية ممرات الطاقة والتجارة الممتدة من شرق المتوسط مروراً بقناة السويس والبحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، وصولاً إلى بحر العرب والمحيط الهندي.

لم تعد أزمة في مضيق هرمز تخص الخليج وحده، كما لم يعد أي هجوم في باب المندب مسألة يمنية فقط. فقد أدى تعرض تدفقات الطاقة والتجارة للضغط في الوقت نفسه إلى تحويل هذه المضائق من ملفات منفصلة إلى أجزاء مترابطة ضمن منظومة أمنية واحدة.

وهنا تحديداً تكمن السمة التي تميز الاتفاق عن نصوص الدفاع التقليدية: مفهوم الدفاع الجماعي يُبنى للمرة الأولى على أساس ممرات بحرية مترابطة، وليس فقط على أساس الحدود البرية للدول.

وهذه القراءة توضح أيضاً وظيفة كل طرف داخل المنظومة.

فباكستان ليست جزءاً منها بسبب قدرتها النووية فحسب، بل لأنها تتحكم بالبوابة المؤدية إلى بحر العرب. ومن هذا المنظور، يشكل خط كراتشي-غوادار الطرف الشرقي لهذا الممر.

أما تركيا، فبوجودها في شرق المتوسط والصومال والبحر الأحمر، تمثل الطرف الغربي.

في حين تشكل السعودية الدولة المركزية، بحكم إطلالتها في آن واحد على البحر الأحمر والخليج العربي.

وبذلك، فإن الدول الثلاث تربط بين عقد مختلفة تقع على امتداد الممر الاستراتيجي نفسه.

من في الداخل، ومن في الخارج... والاختبار الأول

لا تتحدد الأنظمة الجديدة بمؤسسيها فقط، وإنما أيضاً بالأطراف التي تبقى خارجها.

إيران وإسرائيل خارج هذه البنية، لكن لأسباب مختلفة.

فمن منظور طهران، قد تبدو هذه المنظومة محاولة لتطويقها. غير أن استمرار العلاقات الاقتصادية بين تركيا وإيران، إلى جانب خبرة باكستان في الوساطة، يحدان من احتمال تحول هذه الهندسة الأمنية إلى اصطفاف مفتوح ضد طهران.

ومن المرجح كذلك ألا تأتي الاستجابة الإيرانية في صورة مواجهة مباشرة، بل على هيئة ضغوط غير مباشرة عبر القوى الوكيلة.

أما بالنسبة إلى إسرائيل، فالمسألة لا تتعلق فقط باتفاق جديد، بل ببدء تشكل مجال أمني يمتد من شرق المتوسط إلى البحر الأحمر في إطار مؤسسي لا تكون هي جزءاً منه. ولهذا فإن صمت تل أبيب يحمل دلالته الخاصة.

ومستقبل هذه البنية ليس محصوراً أيضاً بالدول الثلاث الحالية. فالإبقاء على الاتفاق مفتوحاً أمام دول أخرى في المنطقة يعني أن الإطار الثلاثي ليس الهدف النهائي، بل نقطة بداية.

وهنا تبرز مصر باعتبارها الطرف الأكثر أهمية. فدخول القاهرة سيضع قناة السويس مباشرة في قلب هذه الهندسة الأمنية.

في المقابل، فإن إدخال أزمات ذات طبيعة برية إلى هذا الإطار قد يهدد بإضعاف منطقه الاستراتيجي الحالي القائم أساساً على الأمن البحري.

أما موقف واشنطن، فيبدو مختلفاً عما قد يُتوقع. تركيا عضو في الناتو، والسعودية وباكستان شريكتان أمنيتان للولايات المتحدة منذ عقود. لذلك، لا يتعلق الأمر بظهور كتلة منافسة بقدر ما يتعلق بتقاسم الأعباء، ويمكن النظر إلى هذه البنية باعتبارها مكملاً للاستراتيجية الأمريكية.

لكن هذا الدعم سيظل مشروطاً. فإذا بدأت المنظومة في الاستقلال عن واشنطن، أو تداخلت بصورة متزايدة مع استثمارات البنية التحتية الصينية، أو أصبحت تؤثر مباشرة في الحسابات الأمنية الإسرائيلية، فمن الممكن أن يتغير الموقف الأمريكي.

البعد الذي لا ينبغي إغفاله: أفريقيا

ثمة بُعد غالباً ما يجري تجاهله، وهو أفريقيا.

فانخراط تركيا في الصومال، ودبلوماسية السعودية في السودان، وخبرة باكستان في خليج عدن، كلها عوامل تجعل من القرن الأفريقي جزءاً من أجندة أمنية مشتركة.

ومن ثم، توجد أسباب كافية للاعتقاد بأن آثار الاتفاق لن تبقى محصورة في الخليج.

وفي هذا السياق، من المرجح أن يكون البحر الأحمر هو ميدان الاختبار الأول لهذه الهندسة الأمنية.

فمع استمرار تهديد الحوثيين، لن يكون مفاجئاً أن تعزز تركيا دورها داخل التحالف الذي تقوده الرياض. وفي هذه الحالة، من المرجح ألا يكون أول ناتج عملي عبارة عن عملية برية مشتركة، بل تنسيقاً أكثر كثافة في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية، والأنظمة غير المأهولة، والدفاع الجوي.

أي أن أول منتج للاتفاق قد لا يكون الحرب، وإنما الردع.

ولفهم طبيعة هذا الاختبار، ينبغي النظر بدقة إلى ما هو مهدد في البحر الأحمر.

فالحصار البحري الذي أعلن عنه الحوثيون، والهجمات التي استهدفت الموانئ السعودية وحركة ناقلات النفط، تظهر أن التهديد انتقل من البر إلى البحر.

ولا يجري استهداف السفن وحدها، بل الوظيفة الاقتصادية التي يؤديها البحر الأحمر نفسه.

ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتحول خطوط الملاحة نحو رأس الرجاء الصالح، وتراجع حركة المرور عبر قناة السويس، كلها عوامل تجعل أمن البحر بالنسبة إلى الدول المطلة عليه قضية تنموية مباشرة، وليست مجرد مسألة عسكرية.

كما أن استثمارات السعودية في الموانئ والسياحة ضمن «رؤية 2030» مرتبطة بالساحل نفسه، ما يزيد من أهمية تأمينه.

ولهذا فإن تمركز منظومات القيادة والسيطرة ومراكز العمليات البحرية المشتركة التابعة لتحالف الدفاع البحري متعدد الجنسيات داخل السعودية ليس خياراً تقنياً بحتاً.

فالرياض تختار أن تجعل أمن البحر الأحمر مؤسسياً على أراضيها، بدلاً من تركه رهينة تحالفات مؤقتة تأتي من الخارج.

أما اتفاق مكة، فيوفر لهذه الطبقة العملياتية إطاراً سياسياً وردعياً أعلى.

وبذلك يصبح البحر الأحمر أول مساحة ملموسة لا تبقى فيها الهندسة الأمنية ذات المستويين مجرد تصور نظري.

بالنسبة إلى تركيا، يمثل البحر الأحمر الحلقة المفقودة بين شرق المتوسط والقرن الأفريقي.

فالقدرات التي تمتلكها أنقرة في مجال الأنظمة غير المأهولة، والدفاع الجوي، والمنصات البحرية، تتقاطع بصورة مباشرة مع احتياجات الدول المطلة على البحر الأحمر.

لكن التحدي الحقيقي في هذا الاختبار ليس عسكرياً بقدر ما هو سياسي.

فالبحر الأحمر يشكل في الوقت نفسه نقطة التقاء بين الحرب الأهلية في السودان، ومعادلة اليمن، وصراع النفوذ في القرن الأفريقي.

ولهذا فإن استمرارية هذه الهندسة الأمنية ستعتمد في النهاية على قدرة أعضائها على صياغة موقف سياسي مشترك تجاه هذه الملفات.

وخلاصة القول، إن اتفاق مكة ليس مجرد نص دفاعي بين ثلاث دول.

إنه أول لبنة مؤسسية في حزام أمني جديد، محوره البحر، ويتشكل بين الشرق الأوسط وأفريقيا.

أما السؤال الأساسي في السنوات المقبلة، فسيكون: إلى أي مدى يمكن لهذا الحزام أن يتسع؟

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس