ترك برس

بدأت شركة الألبسة التركية LC Waikiki الإنتاج في أول منشأة لها داخل سوريا، في خطوة تعكس تنامي اهتمام الشركات التركية بإقامة خطوط إنتاج في السوق السورية، مستفيدة من انخفاض تكاليف التشغيل والقرب الجغرافي من سلاسل التوريد في تركيا.

وأقيم المصنع في مدينة الراعي الصناعية بريف حلب الشمالي، على مسافة تقدر بنحو 3 كيلومترات من الحدود التركية، وبدأ العمل بنحو 150 موظفًا، فيما تستهدف الشركة رفع عدد العاملين إلى نحو ألف شخص خلال ثلاث سنوات.

ومن المقرر أن يوجه المصنع إنتاجه إلى السوق السورية، إلى جانب التصدير إلى الخارج، فيما ذكرت تقارير اقتصادية أن منتجات منه بدأت بالفعل بالتوجه إلى دول في الاتحاد الأوروبي والإمارات.

بضعة كيلومترات.. وفارق كبير في التكلفة

ويكتسب موقع المصنع أهمية خاصة لوجوده على مسافة قصيرة للغاية من تركيا، ما يسمح للشركة بالاستفادة من شبكة الموردين والبنية الصناعية التركية، مع تنفيذ مراحل إنتاج كثيفة العمالة داخل سوريا بتكاليف أقل، بحسب ما ذكره الخبير الاقتصادي يلماز أوزتورك.

https://x.com/Ozturk1967Y/status/2092920930871681146?s=20

وتشير تقديرات نشرتها وسائل إعلام اقتصادية تركية إلى أن أجر العامل في سوريا يدور حول 115 دولارًا شهريًا في بعض القطاعات، مقابل حد أدنى للأجور في تركيا يعادل نحو 585 دولارًا وفق أسعار الصرف المتداولة، أي بفارق يقترب من خمسة أضعاف.

وتحدد وزارة العمل والضمان الاجتماعي التركية الحد الأدنى الصافي للأجور لعام 2026 عند 28 ألفًا و75 ليرة تركية شهريًا، فيما ترتفع التكلفة الإجمالية التي يتحملها صاحب العمل في قطاع التصنيع، بعد احتساب مساهمات التأمين، إلى أكثر من 39 ألف ليرة.

ولا توجد بيانات رسمية موحدة تسمح بالمقارنة المباشرة بين أجور جميع العاملين في قطاع النسيج السوري ونظرائهم في تركيا، إلا أن انخفاض تكلفة اليد العاملة والتأمين والتشغيل في سوريا يُطرح حاليًا بوصفه أحد أبرز عوامل جذب الصناعات كثيفة العمالة.

لماذا قد تجذب سوريا مصانع تركية؟

بالنسبة إلى شركات الملابس والمنسوجات التي تنتج ملايين القطع سنويًا، فإن فروقًا محدودة في تكلفة تصنيع القطعة الواحدة يمكن أن تتحول إلى وفورات كبيرة عند الإنتاج واسع النطاق.

وتتمتع مناطق شمال سوريا بعامل إضافي هو القرب المباشر من المراكز الصناعية التركية، خصوصًا في غازي عنتاب وكليس ومدن جنوب تركيا، وهو ما يتيح للشركات شراء الأقمشة والخيوط والآلات ومستلزمات الإنتاج من الموردين الأتراك ونقلها لمسافات قصيرة إلى المصانع السورية.

ويمنح ذلك سوريا ميزة مختلفة عن مراكز تصنيع منخفضة التكلفة مثل مصر أو بنغلاديش، إذ تستطيع الشركات التركية الاحتفاظ بجزء كبير من سلاسل التوريد والخدمات اللوجستية داخل تركيا، بينما تنفذ بعض مراحل التصنيع على الجانب السوري من الحدود.

لكن تحول سوريا إلى قاعدة إنتاج مستقرة لن يعتمد على الأجور وحدها؛ إذ تبقى الأوضاع الأمنية والبنية التحتية والإمدادات الكهربائية والتمويل والقوانين وحماية الملكية والاستقرار السياسي عوامل أساسية في قرار الشركات بشأن استثمارات طويلة الأجل.

LC Waikiki ليست وحدها

وتأتي خطوة LC Waikiki وسط مؤشرات على اتساع اهتمام قطاع النسيج التركي بالسوق السورية.

فخلال النصف الأول من عام 2026، تلقت سوريا 234 طلبًا استثماريًا في قطاعي النسيج والألبسة الجاهزة، تشمل إنشاء منشآت جديدة وتحديث مصانع قائمة وتوسيع خطوط إنتاج، ولا يعني الرقم وجود 234 مصنعًا جديدًا بالفعل.

كما تدرس شركة İsparko التركية إمكانية إنشاء مصنع بالشراكة مع مستثمرين سوريين، في حين تجري شركات تركية تعمل في آلات ومعدات النسيج، بينها Mikrotx وMersan وTumkalıp، محادثات تتعلق بمشروعات وخطوط إنتاج جديدة داخل سوريا.

وفي يوليو/تموز الماضي، شهد معرض سوريا الدولي للنسيج NASTEX 2026 مشاركة 351 شركة وعارضًا من 25 دولة، في مؤشر على محاولات دمشق إعادة إحياء قطاع كان يشكل تاريخيًا أحد أعمدة الصناعة السورية قبل تعرضه لخسائر واسعة خلال سنوات الحرب.

عودة تدريجية لـLC Waikiki إلى السوق السورية

وكانت LC Waikiki قد سبقت خطوتها الصناعية بالعودة إلى قطاع التجزئة في سوريا، إذ افتتحت في مايو/أيار 2026 متجرًا في «داماسكينو مول» بدمشق، مع خطط معلنة للتوسع إلى مدن سورية أخرى.

وتحمل خطوة التصنيع دلالة أكبر من افتتاح المتاجر، لأنها تعني انتقال الشركة من بيع منتجاتها في السوق السورية إلى استخدام سوريا نفسها كقاعدة للإنتاج والتصدير.

التجارة التركية السورية تتسارع

وتتزامن هذه التحركات مع نمو ملحوظ في العلاقات الاقتصادية بين دمشق وأنقرة.

وبحسب وزير التجارة التركي عمر بولات، تجاوز حجم التجارة بين البلدين 3.7 مليارات دولار خلال عام 2025 بعد نمو بأكثر من 40%، فيما ارتفعت التجارة خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 بنحو 16%. وتعمل الحكومتان على رفع حجم التبادل التجاري إلى 10 مليارات دولار سنويًا.

كما تكثفت خلال الأشهر الأخيرة اجتماعات رجال الأعمال والمسؤولين في البلدين بشأن الاستثمار والمناطق الصناعية والجمارك وإعادة الإعمار، وشارك نحو 200 رجل أعمال تركي في وفد تجاري إلى دمشق خلال أغسطس/آب الجاري.

ويأتي تحسن بيئة الاستثمار السورية أيضًا بعد تخفيف القيود الاقتصادية الدولية؛ إذ رفع الاتحاد الأوروبي العقوبات الاقتصادية الواسعة على سوريا في مايو/أيار 2025، مع الإبقاء على عقوبات مستهدفة، فيما أصدرت الولايات المتحدة في يونيو/حزيران من العام نفسه أمرًا بإلغاء جانب واسع من برنامج العقوبات المفروضة على البلاد.

وفي هذا السياق، يمثل مصنع LC Waikiki اختبارًا عمليًا لإمكانية الجمع بين شبكة التوريد والخبرة الصناعية التركية وبين انخفاض تكاليف الإنتاج داخل سوريا. وإذا أثبت النموذج قدرته على تحقيق مستويات الجودة والتسليم المطلوبة، فقد يشجع شركات تركية أخرى، وخصوصًا في قطاعات النسيج والألبسة والصناعات كثيفة العمالة، على دراسة خطوات مماثلة خلال السنوات المقبلة.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!