
طه كلينتش - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
كنت أنوي كتابة مقال عن تزايد أعداد السكان اليهود الصهاينة في قبرص خلال السنوات الأخيرة. وبعد أن أكملت قراءاتي، دوّنت في صفحة يوم السبت 5 سبتمبر/أيلول من مفكرتي ملاحظة تقول: «الموضوع: إسرائيل-قبرص». (أحدد موضوعات مقالاتي مسبقًا بهذه الطريقة، وأسجلها في مفكرتي. وما لم يطرأ أمر عاجل على جدول الأعمال، ألتزم بخطتي. وهكذا يعمل ذهني أيضًا ضمن نظام معين.) ثم، في السبت الماضي -29 أغسطس/آب-، رأيت، بمحض مصادفة جميلة جدًا، أن هذا الموضوع المهم قد تصدّر الصفحة الأولى لصحيفتنا. وبالتالي، لم يعد هناك داعٍ لأن أكتب مجددًا عن الجانب الراهن من القضية. لكنني سأنقل من ملاحظاتي بعض النقاط المتعلقة بالخلفية التاريخية:
شهد المؤتمر الصهيوني الثالث، الذي انعقد في مدينة بازل السويسرية بين 15 و18 أغسطس/آب 1899، أشد النقاشات حدة عندما اقترح اليهودي الأمريكي من أصل ألماني ديفيس تريتس، أن تكون قبرص بدلًا من فلسطين «وطنًا مؤقتًا» لليهود. وقد عارض جزء مهم من المندوبين هذه الفكرة بغضب شديد، لدرجة أن تريتس اضطر إلى النزول من المنصة قبل أن يتمكن من إكمال كلمته، رغم محاولات رئيس الجلسة تيودور هرتزل تهدئة الأجواء.
ولد ديفيس تريتس في مدينة دريسدن الألمانية، وأكمل تعليمه في برلين، ثم هاجر إلى نيويورك. وقد تخصص في دراساته الأكاديمية التي أجراها في الولايات المتحدة، ولا سيما في موضوع هجرة اليهود وتاريخ يهود الشتات في مختلف أنحاء العالم. وكان تريتس قد طرح للمرة الأولى فكرة إمكانية استقرار اليهود في قبرص عام 1895، ثم شرح أفكاره بالتفصيل في كتابه الذي ألفه عام 1899 بعنوان «مستقبل قبرص» (The Future of Cyprus). ووفقًا لتريتس، فإن اتخاذ اليهود قبرص وطنًا لهم كان منسجمًا إلى حد كبير مع الأهداف الإمبراطورية لبريطانيا العظمى، ومع مستقبل اليهود أنفسهم، وكذلك مع مصالح السكان الأصليين المسلمين والمسيحيين في الجزيرة. وكان تريتس يقول إن اليهود سيعملون، خصوصًا من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، على تنمية قبرص، وإن الجميع سيستفيد من ذلك.
ورغم أن مندوبي المؤتمر لم يسمحوا لديفيس تريتس بإلقاء كلمته، فإن لقبرص مكانة مهمة في تاريخ الاستعمار اليهودي في الشرق الأوسط خلال العصر الحديث:
كانت صحيفة «ذا جويش كرونيكل» اليهودية التي تتخذ من لندن مقرًا لها، قد علقت عندما استأجرت الإمبراطورية البريطانية قبرص من الدولة العثمانية عام 1878 بالقول: «كانت قبرص ذات يوم موطنًا لجالية يهودية مزدهرة ومثقفة. فلماذا لا تكون كذلك مرة أخرى؟». وفي عام 1883، أُنشئت مستعمرة يهودية في كوكلا، وهي بلدة ساحلية في بافوس، عند الطرف الجنوبي الغربي للجزيرة، حيث استقر فيها فارّون من روسيا. وتبعتها عام 1885 مستعمرتا كوبورلو وتشوملكجي بالقرب من فاماغوستا. وبين عامي 1892 و1897، ظهرت عدة مستوطنات أخرى على خط لارناكا-نيقوسيا. وفي عام 1897، بدأ اليهود تشغيل مزرعة مارغو، التي تبلغ مساحتها 380 دونمًا، وتركز على الزراعة وتربية المواشي، جنوب شرقي نيقوسيا. ويقع هذا المكان اليوم إلى الجنوب من مطار إركان في نيقوسيا، بين قريتي قيرقلار وغازيلر. ونظرًا لكون المنطقة عسكرية، فإن الوصول إليها يتطلب إذنًا رسميًا. أما أبرز أثر تركه اليهود في المنطقة فهو مقبرة لا تزال شواهد قبورها موجودة. وقد توفي كثير من اليهود المدفونين فيها بسبب مرض الملاريا، الذي كان منتشرًا جدًا في قبرص في تلك الفترة.
واصلت قبرص احتلال موقع محوري في مسيرة اليهود خلال العصر الحديث:
مع خضوع فلسطين للانتداب البريطاني، غادر آخر اليهود في مزرعة مارغو قبرص عام 1928. ومنذ عام 1939، استخدم البريطانيون الجزيرة معسكرًا مؤقتًا لليهود الفارين من أوروبا. وبسبب تقييد الهجرة اليهودية إلى فلسطين في تلك الفترة، مرّ ما لا يقل عن 52 ألف لاجئ يهودي عبر قبرص إلى أن تأسست إسرائيل. وبعد عقود، وابتداءً من أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عادت قبرص لتصبح واحدة من الوجهات المفضلة لليهود. أما المقترحات التي قوبلت بالغضب عام 1899، فتحظى اليوم بالتشجيع والدعم. وينظر العقل الصهيوني إلى قبرص باعتبارها «ملاذًا احتياطيًا». وجميع الخطوات التي يتم اتخاذها تصب في هذا الاتجاه.
كنت قد أكدت على مسألة «الذاكرة» في مقالي الذي نُشر في هذا العمود يوم الأربعاء، وكان موضوعه راتكو ملاديتش. وقبرص أيضًا توجه إلينا الرسالة نفسها: في الوقت الذي تظل فيه ذاكرة المحتل حية باستمرار، لا نملك ترف الوقوع في فقدان الذاكرة.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مواضيع أخرى للكاتب
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













