
عبد الله مراد أوغلو - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
لم تعد «السياسة الداعمة لإسرائيل» في العالم الغربي تجلب المكاسب. فالتغير في مواقف الرأي العام ضد إسرائيل يجبر الحكومات، إلى حد ما، على اتخاذ موقف أكثر تحفظا تجاهها. وبسبب الإبادة الجماعية في غزة، بدأت إسرائيل تعامل كـ«دولة منبوذة»، على غرار جمهورية جنوب إفريقيا التي كان يحكمها ذات يوم نظام «عنصري أبيض». وهذه عملية لا رجعة فيها.
في الولايات المتحدة، أصبحت «الدعم الثنائي الحزبي لإسرائيل» مقتصرا على الأجنحة الوسطية فقط. فالناخبون الشباب في الحزبين يضعون الأجنحة الوسطية تحت الضغط. ويشعر الحزب الديمقراطي بهذا الضغط على نحو خاص. ومن ناحية أخرى، فإن الناخبين الشباب في الحزب الجمهوري أيضا يثيرون حالة من الذعر لدى صقور الحزب المؤيدين لإسرائيل. ولذلك تضطر اللوبيات الإسرائيلية إلى إنفاق المزيد من الأموال.
وينطبق وضع مماثل على بريطانيا أيضا. فقد اضطرت حكومة حزب العمال الحاكم إلى إعلان أنها ستفرض قيودا تجارية وعقوبات على المستوطنين الصهاينة في الضفة الغربية. ويصف الصهاينة هذا التغيير بأنه عودة إلى عهد جيريمي كوربين، الذي أُبعد في وقت سابق عن قيادة حزب العمال وعن الحزب بتهمة «معاداة اليهود». وللتذكير فورا، فقد طُرد عدد كبير من اليهود المناهضين للصهيونية من الحزب أيضا في عهد كوربين.
وعلى الرغم من موقف حزب العمال المذكور، يواصل حزب المحافظين، حزب المعارضة الرئيسي، موقفه المؤيد بشدة لإسرائيل. وكانت زعيمة الحزب كيمي بادنوش تتهم حزب العمال، في مقال لها بصحيفة «ذا جويش كرونيكل»، بامتلاك هوس معاد لإسرائيل. وكانت كيمي بادنوش، وهي زعيمة بريطانية سوداء من أصول نيجيرية وتصف نفسها بأنها «مسيحية ثقافيا»، تقول إن هذا الهوس لم يتغير منذ الفترة التي كان فيها كوربين زعيما للحزب.
وكانت بادنوش ترى أن حظر التجارة مع المستوطنين في الضفة الغربية يمثل مقاطعة فعلية للدولة اليهودية، وأنه لا يتوافق مع ادعاء حزب العمال مكافحة معاداة السامية. ووفقا لبادنوش، يواجه اليهود البريطانيون «حقيقة مروعة» بسبب موقف حزب العمال من المستوطنات غير القانونية. كما كانت تجادل بأن موقف حزب العمال هذا أضر بسمعة بريطانيا لدى الولايات المتحدة.
وتحاول كيمي بادنوش، مستفيدة من الوضع، القول إن كلا من الولايات المتحدة واللوبي الإسرائيلي لا ينبغي أن يقدما دعمهما إلا لحزب المحافظين. وكانت بادنوش قد قالت بالفعل، في فعالية أقامها «أصدقاء إسرائيل المحافظون» في مايو/أيار 2025، إن حزب المحافظين هو «خط الدفاع الأخير» عن إسرائيل في البرلمان البريطاني.
أما الحاخام الأكبر لليهود الأرثوذكس في بريطانيا، إفرايم ميرفيس، فيصف موقف حزب العمال بأنه «يوم أسود» لليهود البريطانيين. ويقول ميرفيس إن الإجراءات الموجهة ضد المستوطنات غير القانونية تستند إلى «خطاب معاد لإسرائيل مليء بالأكاذيب»، ولن تتجاوز تقديم الدعم السياسي لمن يضمرون هوسا خطيرا ضد الدولة اليهودية. بل إن ميرفيس يرى أن الإجراءات التي وصفها بأنها «سياسات رمزية» ستغذي الخطابات العدائية تجاه إسرائيل، وستشجع أولئك الذين يستخدمون سلاح الكراهية ضد اليهود.
وقد أثارت تصريحات الحاخام الأكبر ميرفيس، المولود والناشئ في جنوب إفريقيا، جدلا بين اليهود البريطانيين. وتقول جماعات يهودية عديدة إن ميرفيس لا يمثل جميع اليهود البريطانيين، وإنما يمثل طائفته فقط، متهمة إياه بتجاوز حدود صلاحياته في مواجهة الحكومة البريطانية. وهناك أيضا من يتهمون ميرفيس بتمثيل إسرائيل. وتعارض هذه الأوساط مساواة اليهودية بالصهيونية، أو مساواة إسرائيل باليهود البريطانيين. كما ينتقد بعض الحاخامات ميرفيس لتصويره كل انتقاد على أنه «هجوم على اليهود».
وبطبيعة الحال، يتركز محور هذه النقاشات حول وزير الخارجية البريطاني إيد ميليباند، المنحدر من أصول يهودية. كما أن تصريحات الحاخام الأكبر ميرفيس تستهدف ميليباند بصورة أكبر. ولهذا، فإن اليهود البريطانيين منقسمون بين ميرفيس وميليباند. وردا على تصريحات ميرفيس، قال ميليباند إنه فخور بكونه يهوديا، وإنه يحترم الحاخام ميرفيس، لكنه لا يتفق معه. ومن المعروف أن العديد من أفراد عائلة ميليباند، الذي أعلن الصهاينة تقريبا أنه معاد لليهود، قُتلوا على يد النازيين.
وكان الحاخام الأكبر ميرفيس قد أشاد، في تصريحات أدلى بها عام 2024، بالجنود الإسرائيليين الذين كانوا يشنون إبادة جماعية في غزة ويقتلون عشرات الآلاف من الأطفال والنساء الفلسطينيين. وقال ميرفيس في حديثه إن ابنه الذي يفخر به كان أيضا من بين الجنود الإسرائيليين الذين يقاتلون في غزة.
وكما يتضح من هذه النقاشات، فإن «انقسام إسرائيل» يتعمق أيضا بين اليهود.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













