
ترك برس
تتجه السعودية إلى تعزيز استعداداتها العسكرية في مواجهة جماعة أنصار الله «الحوثيين» في اليمن، بالتزامن مع حصولها على دعم دفاعي وعسكري من تركيا وباكستان، في إطار تعاون ثلاثي تعزز خلال الأشهر الأخيرة بتوقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك بين أنقرة والرياض وإسلام آباد.
وبحسب تقرير لوكالة رويترز، تدرس السعودية خيارات لعملية عسكرية تقودها القوات اليمنية التابعة للحكومة المعترف بها دوليًا، وتهدف بصورة أساسية إلى وقف التقدم الحوثي الأخير على الساحل اليمني وإعادة تأمين منطقة باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وتشير المصادر التي نقلت عنها الوكالة إلى أن القوات اليمنية ستكون القوة البرية الرئيسية في أي عملية محتملة، فيما ستقدم السعودية الإسناد الجوي، في حين يتركز دور حلفائها، ومن بينهم تركيا وباكستان، على الدعم الدفاعي والتقني والاستشاري، من دون مؤشرات حتى الآن على مشاركة تركية أو باكستانية مباشرة بقوات قتالية داخل اليمن.
أنقرة وإسلام آباد تقفان إلى جانب الرياض
ويأتي هذا الدعم في إطار مرحلة جديدة من التعاون الأمني بين الدول الثلاث، بعدما وقّعت تركيا والسعودية وباكستان في 7 أغسطس/آب 2026 اتفاق مكة للدفاع المشترك.
وينص الاتفاق على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا على الدول الأخرى، ويهدف، وفق البيان التركي الرسمي، إلى تعزيز الردع المشترك والتعاون الدفاعي وتطوير مشاريع الصناعات العسكرية ومواجهة التهديدات الأمنية.
وأكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عند توقيع الاتفاق أن الترتيب الدفاعي الجديد لا يستهدف أي دولة، وأن هدفه هو دعم أمن المنطقة واستقرارها، مشددًا في الوقت نفسه على تمسك أنقرة بحل الأزمات من خلال الحوار والدبلوماسية واحترام القانون الدولي.
كما أوضحت وزارة الدفاع التركية أن الاتفاق لا يحدد أي دولة بوصفها «عدوًا مشتركًا»، وأنه يهدف أساسًا إلى جعل التعاون العسكري والأمني بين الدول الثلاث أكثر مؤسسية واستدامة، وتعزيز قدرتها على التحرك المشترك في مواجهة الأزمات.
فيدان: تركيا مستعدة لتلبية احتياجات السعودية
ومع تصاعد الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية خلال الأسابيع الأخيرة، أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بوضوح استعداد بلاده لمساعدة المملكة في احتياجاتها الدفاعية.
وقال فيدان في 19 سبتمبر/أيلول إن أنقرة ترى «هجمات خطيرة» تستهدف سلامة أراضي السعودية وسيادتها، مشيرًا إلى أن تركيا تقف إلى جانب الرياض ضمن اتفاق الدفاع المشترك، وأنها مستعدة لتلبية احتياجات عسكرية وتقنية قد تطلبها المملكة.
لكن الموقف التركي يجمع في الوقت نفسه بين الدعم الدفاعي للسعودية والدفع نحو تسوية سياسية؛ إذ أكدت أنقرة أنها نقلت مقترحات إلى الأطراف المعنية بهدف إنهاء التصعيد، وأن اتفاق مكة لا يعني التخلي عن المسار الدبلوماسي.
دعم عسكري دون مشاركة قتالية تركية معلنة
وتقول رويترز، نقلًا عن مسؤولين إقليميين وباكستانيين، إن تركيا وباكستان قدمتا خلال الفترة الأخيرة معدات ودعمًا عسكريًا للسعودية في إطار استعداداتها الدفاعية.
وأشارت الوكالة إلى أن طائرات مسيرة تركية كانت السعودية قد اشترتها قبل موجة التصعيد الحالية جرى استخدامها في الأجواء اليمنية، لكن التقرير لم يقل إن قوات تركية تشارك مباشرة في القتال داخل اليمن.
وهذا يتوافق مع الخطاب الرسمي التركي الذي يركز حتى الآن على الدعم الدفاعي والتقني، والتعاون في مجال الصناعات العسكرية، وتعزيز قدرة المملكة على حماية أراضيها ومنشآتها، دون إعلان أنقرة دخولها طرفًا مباشرًا في العمليات القتالية داخل اليمن.
أما باكستان، فتقول رويترز إن دورها يشمل أنظمة دفاع جوي ومعدات لمواجهة الطائرات المسيرة والصواريخ، إلى جانب وجود عسكري داخل السعودية مخصص لحماية أراضي المملكة وحدودها. وتؤكد المصادر الباكستانية أن إسلام آباد لم تتخذ قرارًا بإرسال قوات إلى داخل اليمن للمشاركة في القتال.
اجتماع مرتقب بين الدول الثلاث
ويتزامن ذلك مع استمرار التنسيق السياسي والعسكري بين أنقرة والرياض وإسلام آباد.
وكان وزراء ومسؤولو الدفاع والخارجية ورؤساء الأركان في الدول الثلاث قد بدأوا منذ أغسطس/آب العمل على تفعيل المؤسسات المنبثقة عن اتفاق مكة، وعقدت اللجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية أول اجتماعاتها في إسطنبول نهاية أغسطس.
كما عقد القادة العسكريون للدول الثلاث اجتماعات لاحقة لبحث التطورات الأمنية المرتبطة بالهجمات الحوثية على السعودية، ضمن آليات التنسيق التي وفرها الاتفاق الجديد.
وكشف وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار أن دول اتفاق مكة ستعقد اجتماعًا طارئًا في الرياض لبحث تطورات الملف اليمني، بما في ذلك المقترحات الرامية إلى فتح قنوات سياسية مع الحوثيين، وهو ما يعكس استمرار الخيار الدبلوماسي بالتوازي مع الاستعدادات الدفاعية والعسكرية.
ما الذي تخطط له السعودية في اليمن؟
وبحسب رويترز، لا تزال الرياض تدرس أكثر من سيناريو، ولم يُعلن حتى الآن قرار نهائي بشأن حجم العملية أو موعدها.
ويتمثل السيناريو الأول في عملية محدودة تركز على الساحل الغربي والمنطقة المحيطة بمضيق باب المندب، بهدف إعادة تأمين الملاحة البحرية واستعادة المواقع التي سيطر عليها الحوثيون مؤخرًا.
أما السيناريو الثاني، فيشمل عملية أوسع على عدة جبهات بالتزامن، من بينها مأرب وتعز والبيضاء والجوف، بمشاركة قوات يمنية قد يصل عددها إلى أكثر من 100 ألف عنصر، وفق المصادر التي تحدثت إلى رويترز.
وتقول المصادر إن الأولوية السعودية ليست بالضرورة إطلاق حرب واسعة مشابهة لمرحلة 2015، بل وقف المكاسب الحوثية الأخيرة وإعادة تأمين باب المندب والملاحة في البحر الأحمر.
باب المندب.. جوهر التصعيد الجديد
ويكتسب مضيق باب المندب أهمية استثنائية، إذ يشكل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر ويربط المحيط الهندي وقناة السويس والبحر المتوسط.
وأي اضطراب طويل الأمد في هذا الممر يمكن أن ينعكس مباشرة على حركة الشحن الدولية وأسعار الطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا.
ولهذا لم تعد المواجهة الحالية قضية يمنية داخلية فقط، بل أصبحت مرتبطة بأمن الملاحة البحرية وأمن الطاقة والاستقرار الإقليمي.
وكان الحوثيون قد حققوا خلال الأسابيع الماضية تقدمًا على امتداد الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، في وقت تصاعدت فيه هجماتهم بالصواريخ والطائرات المسيرة على أهداف داخل السعودية.
عودة التصعيد بعد سنوات من التهدئة
وتعود جذور المواجهة الحالية إلى الحرب اليمنية التي تصاعدت عام 2015، عندما تدخل التحالف العربي بقيادة السعودية دعمًا للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء ومناطق واسعة من البلاد.
لكن القتال تراجع بصورة كبيرة بعد هدنة عام 2022، التي فتحت الباب أمام سنوات من الهدوء النسبي ومحاولات التوصل إلى تسوية سياسية.
إلا أن التطورات الإقليمية خلال 2026، وتزايد الهجمات الحوثية على السعودية وحركة الملاحة، أعادت المواجهة إلى الواجهة، وسط مخاوف من اتساع نطاق الصراع مجددًا.
اتفاق مكة أمام أول اختبار أمني كبير
ويضع التصعيد اليمني اتفاق مكة للدفاع المشترك أمام أول اختبار فعلي منذ توقيعه.
فالسعودية تواجه تهديدات متزايدة بالصواريخ والطائرات المسيرة، بينما أعلنت تركيا وباكستان وقوفهما إلى جانب المملكة في حماية سيادتها وأمنها.
لكن الموقف التركي، كما صاغته أنقرة رسميًا، يقوم على مسارين متوازيين: تعزيز قدرة السعودية على الدفاع عن أراضيها ومواجهة التهديدات، والاستمرار في البحث عن حل سياسي يمنع توسع الحرب في المنطقة.
وبينما تستعد الرياض لاحتمال تنفيذ عملية تقودها القوات اليمنية لاستعادة مواقع استراتيجية، يبرز التعاون التركي–الباكستاني–السعودي بوصفه أحد أهم أبعاد المشهد الجديد، مع تأكيد الدول الثلاث أن إطارها الدفاعي يقوم على الردع المشترك وحماية الأمن والاستقرار الإقليمي، وليس على استهداف دولة بعينها.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











