ترك برس

تقترب الانتخابات النصفية الأمريكية في الثالث من نوفمبر 2026، لتكون نتائجها محكاً سياسياً لسلطة الرئيس دونالد ترامب ومحكاً اقتصادياً يحدد اتجاه الأسواق العالمية خلال العامين المقبلين. وفي هذا السياق، يقدّم الكاتب التركي عبد الرحمن يلدريم في مقال نشره موقع خبر تورك قراءة ترى أن القضية الجوهرية ليست فقط عدد المقاعد التي قد يخسرها الجمهوريون، بل مدى فقدان ترامب للسيطرة على الكونغرس وانعكاس ذلك على السياسات الاقتصادية، في ظل أسئلة ملحة تطرحها الأسواق حول عوائد استثمارات الذكاء الاصطناعي، ومخاطر التضخم النفطي، ومدى قدرة الاحتياطي الفيدرالي على رفع الفائدة دون الإضرار بالاقتصاد والأسواق.

يرى الكاتب أن الأسواق تبحث منذ فترة عن إجابات لثلاثة أسئلة متزامنة: هل ستحقق استثمارات الذكاء الاصطناعي العائد المتوقع؟ وهل سيعيد ارتفاع أسعار النفط إشعال التضخم؟ وإلى أي مدى سيضغط رفع الفائدة من قبل الفيدرالي على الاقتصاد والأسواق المالية؟ ويؤكد أن الإجابات على هذه الأسئلة، إذا اقترنت بالصورة السياسية المنبثقة عن الانتخابات، قد تفتح باب مرحلة جديدة للأسواق العالمية.

ويستعرض الكاتب السيناريوهات المحتملة للكونغرس، فيشير إلى أنه إذا خسر الجمهوريون مجلس النواب واحتفظوا بمجلس الشيوخ، فإن ترامب سيتلقى ضربة سياسية لكن مجال حركته لن يختفي تماماً، إذ سيتمكن الديمقراطيون من زيادة الضغط عبر لجان التحقيق، بينما يحتفظ ترامب بميزة مهمة في التعيينات القضائية والإدارية العليا. أما إذا انتقل المجلسان إلى الديمقراطيين، فيعتبر ذلك فرامل سياسية أقوى بكثير، قد تؤدي إلى تصعيد المعارك حول الموازنة وسقف الدين والتعريفات والسياسة الخارجية، بل وتفتح الباب أمام احتمال إجراءات عزل. ويذكر أن احتمال احتفاظ الجمهوريين بالمجلسين ضعيف، وأنه حتى في هذه الحالة لن تتغير تلقائياً أسعار النفط المرتفعة أو التضخم أو سياسة الفائدة. ويشير إلى أن استطلاعات الرأي ونماذج التوقعات ترجح فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلس النواب، بينما تبقى صورة مجلس الشيوخ أكثر غموضاً.

وينتقل الكاتب إلى جوهر المخاطرة، فيرى أن الخطر الحقيقي ليس السياسة في ذاتها بل حالة عدم اليقين. ويوضح أن انقسام الكونغرس ليس بالضرورة سيئاً للأسواق، إذ قد يحد من التغييرات السياسية المفاجئة، وهو ما يرحب به بعض المستثمرين، غير أن خلافات الموازنة وتمويل الحكومة وسقف الدين قد ترفع علاوات المخاطر. ويؤكد أن ترامب سيحتفظ بصلاحياته التنفيذية حتى لو خسر الأغلبية، لذا لا ينبغي توقع تحول تلقائي في التعريفات أو سياسة الطاقة أو العلاقات الخارجية أو التنظيمات. ويستند إلى تقييم مورغان ستانلي الصادر في 14 أكتوبر الذي يشير إلى أن تغير السيطرة في الكونغرس لن يغير بالضرورة الخط السياسي الأساسي لواشنطن، لكنه قد يخضع استثمارات الذكاء الاصطناعي ومشاريع مراكز البيانات لمزيد من الشروط. ويرى أن ما ستراقبه الأسواق فعلياً هو كيفية تأثير النتائج السياسية على تكاليف الشركات والاقتراض العام وتوقعات النمو.

وفي قراءة لتحركات الأسواق الأخيرة، يشير الكاتب إلى تراجع مؤشر ناسداك بنسبة 2.6 في المئة ومؤشر إس آند بي 500 بنسبة 1.2 في المئة في 22 أكتوبر، مقابل طلب قوي على السندات الأمريكية في 23 أكتوبر، فيما ارتفع خام برنت إلى 114 دولاراً. ويلاحظ التناقض اللافت: في الظروف العادية يرتفع التضخم المتوقع وعوائد السندات مع ارتفاع النفط، أما هذه المرة فبيعت أسهم التكنولوجيا وارتفعت أسعار السندات وانخفضت عوائدها. ويرى أن السوق يخشى في آن واحد التضخم الناتج عن الطاقة وإمكانية تباطؤ استثمارات الذكاء الاصطناعي وضعف النمو. وبتعبير آخر، يمثل النفط خطر التضخم بينما يمثل صعود السندات خوف التباطؤ الاقتصادي، وإذا تعزز الاتجاهان معاً فستزداد مهمة الفيدرالي صعوبة.

ويتعمق الكاتب في معضلة السياسة النقدية، فيشير إلى أن توقعات رفع الفائدة في ديسمبر كانت قوية في استطلاعات الاقتصاديين منتصف أكتوبر، حيث توقع المئة اقتصادي في استطلاع رويترز بتاريخ 20 أكتوبر رفعاً في ديسمبر، لكن تسعير الأسواق تراجع كثيراً بعد موجة بيع التكنولوجيا وصعود السندات في 23 أكتوبر. ويعتبر هذا التباين بالغ الأهمية: الاقتصاديون يخشون استمرارية التضخم، والمستثمرون يخشون تدهور الاستقرار الاقتصادي والمالي، وقد يضطر الفيدرالي إلى الاختيار بينهما. فإذا بقي النفط مرتفعاً وانتقلت تكاليف الطاقة إلى الأسعار وظل التضخم الأساسي مقاوماً، فقد تُطرح زيادات إضافية بعد ديسمبر. أما إذا تباطأت استثمارات الذكاء الاصطناعي وضعف التوظيف وتشددت شروط الائتمان، فسيصعب على الفيدرالي مواصلة الرفع المتتالي. وهنا يكمن الانسداد الحقيقي: رفع الفائدة لكبح التضخم قد يزيد الضغط على النمو واستثمارات الشركات، بينما الامتناع عنه يحمل خطر تحول الصدمة الطاقوية إلى تضخم دائم.

وفيما يتعلق برالي نهاية العام (رالي بابا نويل)، يرى الكاتب أن تحقق ثلاثة شروط ضرورية: تراجع أسعار النفط، وتعزيز الثقة بأن الفيدرالي لن يحتاج إلى زيادات جديدة، وإثبات شركات التكنولوجيا أن استثمارات الذكاء الاصطناعي تتحول إلى إيرادات وأرباح ملموسة. ويشير إلى أن تحقق شرط واحد فقط قد يؤدي إلى ارتفاع مؤقت، بينما تحقق الثلاثة معاً يؤسس لصعود أكثر صلابة. أما في غياب ذلك، فيصعب على الأسهم الارتفاع بشكل مستدام في سوق يعكس صعود السندات فيه مخاوف التباطؤ. ويحدد سيناريوه الأساسي بأن يبقى التباين الداخلي في السوق والتقلبات مرتفعين قبل الانتخابات وبعدها، لأن النتيجة الانتخابية قد تزيل جزءاً من الغموض السياسي لكنها لن تحل مشاكل النفط والفائدة وتمويل الذكاء الاصطناعي.

ويخلص الكاتب إلى أن خسارة ترامب لمجلس النواب ستحد من قوته السياسية، وخسارته للمجلسين معاً ستضيق مجال حركة الإدارة أكثر، غير أن أي نتيجة انتخابية لن تحدد وحدها معركة الفيدرالي مع التضخم أو سعي رأس المال العالمي إلى العائد. ولذلك يدعو إلى النظر أبعد من رد الفعل الأولي ليلة الانتخابات، والتركيز على كيفية تغير أسعار النفط وعوائد السندات الأمريكية لأجل سنتين وعشر سنوات وشروط تمويل شركات التكنولوجيا. ويؤكد أن الأسواق العالمية اليوم تسعر ليس فقط مستقبل ترامب السياسي، بل أيضاً قدرة ثورة الذكاء الاصطناعي على تحقيق عوائد في ظل تكاليف اقتراض مرتفعة، ومدة استمرار الصدمة الطاقوية. ويختتم بأن مصير رالي نهاية العام لن يحدده ما يخرج من صناديق الاقتراع بقدر ما تحدده إجابات هذه الأسئلة الثلاثة، مستذكراً مقولة بنجامين غراهام: «في المدى القصير السوق آلة تصويت، أما في المدى الطويل فهو آلة وزن».

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!