
ترك برس
يشهد العالم حالياً موجة مترابطة من التوترات الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية، تمتد من ساحات القتال في أوكرانيا وإيران إلى أزمات الطاقة والغذاء، وصولاً إلى الاحتجاجات الشعبية في أوروبا. في هذا السياق، تقدم الكاتبة نيلغون تكفيدان غوموش، في مقال نشرته صحيفة حرييت تحت عنوان «حروب وانتفاضات وقمة يالطا جديدة»، قراءة شاملة ترى فيها أن هذه الظواهر ليست منفصلة، بل تشكل حلقات في سلسلة واحدة من الاضطراب العالمي المتصاعد.
ترى الكاتبة أن النظر إلى العالم اليوم يكشف صورة معقدة: حروب أوكرانيا وإيران من جهة، وهجمات على السفن التجارية في مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأسود من جهة أخرى، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء. وتشير إلى أن هذه الضغوط تترجم في أوروبا إلى غلاء معيشة وتفاوتات اجتماعية تفجر انتفاضات شعبية. وتؤكد أن «لا شيء من هذه الأحداث مستقل عن الآخر»، مشبهة الوضع بأن «الفيلة تتقاتل والعشب يُداس»، وأن تأجيل آمال وقف إطلاق النار والسلام يرفع مستوى القلق العالمي.
وتشير الكاتبة إلى أن الأفق يشهد احتمالاً جديداً للمساومة حول أوكرانيا، بينما تتواتر أنباء عن استعداد أمريكي-إسرائيلي لضربة ثقيلة ضد إيران بعد انتخابات الثالث من نوفمبر. وفي هذا الإطار، تبرز رغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في التعامل مع «قادة أقوياء»، إذ يرى في الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عائقاً أمام اتفاق محتمل مع روسيا، ويفضل التفاوض مع فلاديمير بوتين. وتضيف أن ترامب يخفف العقوبات عن موسكو ويعقد اتفاقات ديزل معها، ليس إرضاءً لبوتين فحسب، بل أيضاً لمواجهة ارتفاع أسعار الوقود قبل انتخابات الكونغرس الأمريكية.
وتتناول الكاتبة اقتراح بوتين عقد قمة ثلاثية أمريكية-صينية-روسية على هامش قمة أبيك في الصين الشهر المقبل، مشيرة إلى أن واشنطن وموسكو ترحبان بالفكرة بينما لم تصدر بكين رداً رسمياً بعد. وتستدعي هذه الخطة إلى الأذهان مؤتمر يالطا عام 1945، حيث رسم روزفلت وتشرشل وستالين معالم النظام العالمي الذي استمر حتى سقوط جدار برلين. وتتساءل الكاتبة عما إذا كانت القمة المقترحة في شنتشن ستشهد «تقاسماً مماثلاً» للنظام الدولي الجديد.
وفيما يتعلق بمطالب الأطراف، توضح الكاتبة أن روسيا تطالب بالاحتفاظ بالمناطق الأربع التي أعلنت ضمها في أوكرانيا، رغم أنها لا تسيطر عليها بالكامل بعد، بينما يقترح زيلينسكي تجميد الجبهة ثم التفاوض. أما أوروبا فترفض تقديم تنازلات إضافية لروسيا، ويحذر المستشار الألماني فريدريش ميرتس من أن «استسلام أوكرانيا يعني استسلامنا جميعاً». وتلفت الكاتبة الانتباه إلى غياب أوروبا وأوكرانيا عن الطاولة الثلاثية المقترحة، متسائلة: «هل يمكن أن يخرج حل لحرب أوكرانيا من طاولة لا مكان لأوروبا وأوكرانيا فيها؟»
وتشير الكاتبة إلى تداخل المصالح في هذه القمة المحتملة: روسيا تريد فرض مطالبها في أوكرانيا، والصين وروسيا تعارضان «التدخل الخارجي» في أوراسيا، بينما يطالب ترامب، في إطار «عقيدة مونرو»، بالاعتراف بنصف الكرة الغربي كمجال حيوي أمريكي، وبقطع الدعم العسكري الروسي والصيني لإيران. في المقابل، تنزعج بكين من الدعم الأمريكي لتايوان واليابان. وتخلص إلى أن موعد اللقاء المتوقع في 18-19 نوفمبر ما زال بعيداً، وأن نتائجه قد تكون تاريخية كمؤتمر يالطا أو مجرد لقاء عادي ينتهي بعبارات غامضة.
وأخيراً، تربط الكاتبة بين هذه التوترات الدولية والاضطرابات الاجتماعية في أوروبا، مؤكدة أن «نيران الحرب تشتعل في الشوارع أيضاً». فالأزمات السكنية وارتفاع كلفة المعيشة وتقليص الإنفاق العام وتراجع الحقوق الاجتماعية والتعليمية، إلى جانب آثار الهجرة، كلها مترابطة. وتشير إلى أن أوروبا، التي تحتاج إلى زيادة الإنفاق العسكري في ظل تراجع الدعم الأمريكي وتصاعد التهديد الروسي، تضطر إلى الاقتطاع من ميزانيات التعليم والصحة، مما يضع القارة تحت ضغوط متعددة الاتجاهات ويجعل الغضب الشعبي جزءاً من المشهد.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











