
ترك برس
في مقال تحليلي كتبه لموقع «إندبندنت تركية»، يتناول الكاتب غوربوز إيفرين التداعيات السياسية والقانونية لموافقة مجلس النواب الليبي في الشرق، الخاضع لسيطرة خليفة حفتر، على اتفاقية الحدود البحرية التي أبرمتها تركيا مع ليبيا عام 2019. ويرى الكاتب أن هذه الموافقة أثارت غضباً شديداً في اليونان وإسرائيل، كاشفاً عن تناقضات واضحة في مواقف أثينا وداعميها، ومؤكداً أن التطور يمثل ضربة لمشاريع الطاقة في شرق المتوسط.
يشير إيفرين إلى أن المعارضة اليونانية وجهت انتقادات حادة إلى رئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس، بينما دافعت الحكومة اليونانية عن نفسها بالقول إن «هذه الاتفاقية لا تملك أي صلاحية قانونية». ويضيف أن إسرائيل ومصر والاتحاد الأوروبي رددوا التفسير نفسه.
غير أن الكاتب يطرح تساؤلاً جوهرياً: إذا كانت الاتفاقية عديمة الصلاحية القانونية حقاً، فلماذا كان ميتسوتاكيس ووزير خارجيته غيورغوس غيرابيتريتيس يعقدان لأشهر لقاءات مع مسؤولي الشرق الليبي، يتوسلان إلى خليفة حفتر وابنه صدام ويضغطان عليهما كي لا يوافقا على الاتفاقية؟ ويرى أن هذه المساعي المتكررة تمثل في ذاتها اعترافاً بأن الاتفاقية «سارية المفعول تماماً بموجب القانون الدولي».
ويقارن الكاتب الوضع بافتراض معاكس: لو أبرمت اليونان اتفاقية مماثلة مع ليبيا واعترضت تركيا، لسارعت إسرائيل والاتحاد الأوروبي وأثينا إلى الدفاع عنها بأعلى الأصوات بوصفها متوافقة مع القانون الدولي. ويصف ما يحدث بأنه «نفاق بكل معنى الكلمة ومعايير مزدوجة دائمة ضد تركيا».
أما رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، فيرى الكاتب أنها تكرر كالببغاء عبارة «هذه الاتفاقية تتعارض مع مصالح أطراف ثالثة»، مشيرة إلى اليونان وقبرص اليونانية والاتحاد الأوروبي. ويوضح أن الاتحاد الأوروبي ينظر إلى جغرافية أعضائه على أنها ضمن حدوده، ويتهم تركيا بانتهاك حدوده البحرية بشكل غير قانوني.
غير أن إيفرين يؤكد أن همّ فون دير لاين الحقيقي مختلف تماماً. فبعد إلغاء كل اتفاقيات الطاقة مع روسيا بسبب حرب أوكرانيا، باتت أوروبا تعاني نقصاً حاداً في النفط والغاز، تفاقم مع ارتفاع الأسعار الناجم عن حرب إيران. وكانت آمال الاتحاد الأوروبي الوحيدة معلقة على استغلال موارد شرق المتوسط عبر شراكة يونانية-قبرصية-إسرائيلية ونقلها بأنابيب إلى أوروبا.
ويخلص الكاتب إلى أن تركيا «أفسدت هذا الحساب أيضاً»، لأن موافقة مجلس النواب الشرقي غمرت أحلام الاتحاد الأوروبي بالمياه، وأصبح لتركيا وجود رسمي في منطقة استخراج الموارد وعبورها، وكذلك في ممرات كابلات الكهرباء البحرية.
ويحذر إيفرين من أن اليونان وأتباعها لن يقفوا مكتوفي الأيدي، بل سيلجأون إلى اختبارات واستفزازات غير متوقعة. ويذكر أن أثينا كانت تخطط خلال أشهر لبدء شركة شيفرون الأمريكية أعمال التنقيب الأولى جنوب جزيرة كريت، وهي منطقة تقع أجزاء مهمة منها ضمن نطاق اتفاقية تركيا-ليبيا.
ويتوقع أن ترد أنقرة، لكنها ستركز على غرب كريت لأهميته كممر ملاحي دولي. أما الخبراء المقربون من ميتسوتاكيس فيطلقون – بحسب الكاتب – تفسيرات «مضحكة» تزعم أن أثينا دفعت تركيا بسياسة دقيقة نحو الاتفاق مع ليبيا لتوقعها في مأزق دولي لعدم وجود سند قانوني، مما سيقوي يد اليونان في شرق المتوسط وبحر إيجة.
في المقابل، ينقل إيفرين موقف المعارضة اليونانية ممثلاً في حزب «باسوك» الذي اعتبر أن الاتفاقية «ألحقت ضرراً كبيراً بالموقع الجيوسياسي لليونان ومصالحها الوطنية، وكشفت ضعف الحكومة ونقص معرفتها واستراتيجيتها وبعد نظرها».
كما يستذكر تصريح كونستانتينوس فيليس، رئيس معهد العلاقات العالمية في أثينا، الذي قال إن «تركيا عززت وجودها في ليبيا. وبما أن هناك الآن إجماعاً في ليبيا، فقد اختفت إمكانية أن يوقع أي زعيم ليبي مستقبلي اتفاقية مع اليونان».
ويختم الكاتب بالتأكيد على أن «لا شيء يحدث مصادفة». فبعد أن عرض بنيامين نتنياهو في مؤتمر صحفي في 18 تشرين الأول/أكتوبر خريطة تظهر إسرائيل والإمارات واليونان كـ«أصدقاء»، جاءت الخطوة التركية غير المتوقعة في 20 تشرين الأول/أكتوبر بموافقة مجلس النواب الشرقي على مذكرة التفاهم. وبذلك سقطت خطط اليونان وإسرائيل في شرق المتوسط. ويتساءل إيفرين في النهاية: «هل يمكن أن تكون هذه مصادفة؟».
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!









