
ترك برس
في ظل التحولات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، ومساعي الولايات المتحدة لإعادة ترتيب أولوياتها العسكرية والاستراتيجية، يبرز تساؤل بشأن مدى قدرة واشنطن على تقليص وجودها العسكري في المنطقة ونقل مسؤولية أمنها إلى حلفائها الإقليميين، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بنفوذها وقدرتها على التحكم في مسار الأحداث.
ويرى المحلل الاستراتيجي الدكتور عثمان غازي قاندمير، في مقال بموقع «إندبندنت تركية»، أن الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط تقوم على ثلاثة أهداف رئيسية، هي تقليص الوجود العسكري الدائم، ونقل العبء الأمني إلى الشركاء الإقليميين، وتخصيص الموارد للمنافسة مع الصين. لكنه يشير إلى أن الحرب مع إيران أظهرت أن هذه الحسابات لا تسير بالسهولة المتوقعة، إذ تريد واشنطن، بحسب تعبيره، أن تحتفظ بالسيطرة على المنطقة، بينما يتحمل الآخرون تكاليف أمنها، وهو ما قد يؤدي إلى نتائج مختلفة تماماً على أرض الواقع.
ويستدل الكاتب على مؤشرات الانسحاب الأمريكي باستكمال الولايات المتحدة، في نهاية سبتمبر/أيلول الماضي، مهمتها في العراق ضمن التحالف الدولي لمكافحة تنظيم «داعش»، ونقل مقر قوة المهام إلى الأردن، فضلاً عن إخلاء قاعدة التنف في سوريا خلال فبراير/شباط. كما يلفت إلى أن تعرض القواعد الأمريكية في الخليج لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية دفع وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاغون» إلى إعادة التفكير في نموذج تمركز قواتها، مشيراً إلى أنه لا يُتوقع عودة البحرية الأمريكية قريباً إلى البحرين، التي تستضيف الأسطول الخامس.
ويوضح أن النموذج الأمريكي الجديد يعتمد على عدد أقل من القواعد العسكرية الثابتة، مقابل زيادة الاعتماد على القوات البحرية والجوية والقدرة على تقديم تعزيزات سريعة. لكنه يطرح في هذا السياق تساؤلاً بشأن الطرف الذي سيملأ الفراغ الناجم عن تقليص الوجود الأمريكي، لافتاً إلى أن إجابة واشنطن تتمثل في الشركاء الإقليميين.
ويعتبر الكاتب أن اليمن يمثل الاختبار الأول لهذا النموذج، إذ تتولى السعودية الجزء الأكبر من العمليات الجوية، بينما تقدم الولايات المتحدة المعلومات الاستخباراتية وتحديد الأهداف والدعم اللوجستي، دون الانخراط المباشر في تنفيذ الضربات. ويرى أن هذا النهج يضع واشنطن أمام معضلة؛ فإذا أخفق الشركاء، ستضطر الولايات المتحدة إلى العودة إلى المنطقة بتكلفة أكبر بكثير، أما إذا نجحوا، فستزداد استقلاليتهم ويتراجع نفوذ واشنطن عليهم. وبذلك، قد تؤدي السياسة المصممة لخفض التكاليف مع الحفاظ على النفوذ إلى تقويض أهدافها نفسها.
ويشير قاندمير إلى أن جوهر المسألة يكمن في الاحتمال الثاني، موضحاً أن القوى المتوسطة التي تتولى المسؤولية الأمنية هي دول تتنافس فيما بينها، وتحمل طموحات وأعباء تاريخية. ويؤكد أن السعودية والإمارات ومصر وإسرائيل وتركيا لا تنظر إلى المنطقة من المنظور نفسه، وأن كل دولة منها ستتعامل مع الأعباء التي تنقلها الولايات المتحدة إليها باعتبارها وسيلة لتوسيع دائرة نفوذها. ووفق الكاتب، قد تبدو هذه الدول لفترة وكأنها تحمي المصالح الأمريكية، لكنها ستعمل في الوقت نفسه على دفع أجنداتها الخاصة.
وفي استعراضه للسياق التاريخي، يستحضر الكاتب «مبدأ نيكسون» الذي أُعلن عام 1969، قائلاً إنه استند إلى منطق مشابه. فبينما كانت الولايات المتحدة ترزح تحت أعباء حرب فيتنام، اختارت إيران والسعودية في الخليج باعتبارهما «الركيزتين التوأمين». لكن شاه إيران سخّر دور الدركي الإقليمي، الذي أُسند إليه وزُوّد بالأسلحة الأمريكية، لخدمة طموحاته الخاصة، كما دخل في خلاف مع واشنطن بشأن أسعار النفط. وفي عام 1979 انهارت إحدى الركيزتين، وتحول الشريك الأكثر ثقة إلى أكبر خصم.
ويقدم الكاتب تجربة تركيا مثالاً أقرب على هذه المسألة، موضحاً أن الغرب، بعد انتهاء الحرب الباردة، قدم أنقرة نموذجاً يُحتذى به أمام الجمهوريات التركية المستقلة حديثاً والعالم الإسلامي، بهدف الحد من نفوذ إيران وروسيا في تلك الجغرافيا. ويشير إلى أن أنقرة تبنت هذا الدور، وظهر خطاب يتحدث عن عالم تركي يمتد «من البحر الأدرياتيكي إلى سور الصين العظيم». غير أن سعي تركيا إلى تحقيق مصالحها الخاصة جعل الصدام مع السياسات الأمريكية أمراً لا مفر منه، وكانت مذكرة الأول من مارس/آذار 2003، وملف شمال العراق، ثم سوريا وقضية وحدات حماية الشعب الكردية (PYD)، محطات في مسار هذا التباعد. ويرى الكاتب أن واشنطن أدركت حينها أن الدور الذي صممته بنفسها قد يعمل يوماً ضد مصالحها.
ويعتبر أن المشهد الحالي يتجه نحو المسار نفسه، لافتاً إلى أن دول الخليج، مع حفاظها على تحالفها مع الولايات المتحدة، تعمل على بناء قدرات عسكرية مستقلة، وتعميق علاقاتها مع تركيا وباكستان والصين، والإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة مع إيران. ويشير إلى أن الترتيب الدفاعي الذي طُرح بين السعودية وتركيا وباكستان يمثل مثالاً ملموساً على ذلك، معتبراً أن هذه التشكيلات تشير إلى توجه نحو إقليمية أكثر استقلالية، تتجاوز مفهوم تقاسم الأعباء الذي تصممه الولايات المتحدة.
ويضيف الكاتب أن نقطة الاحتكاك الأولى ستكون مع واشنطن، إذ إن إصرار الولايات المتحدة على فرض مصالحها سيعمّق الخلاف بينها وبين القوى المتوسطة. لكنه لا يتوقع حدوث قطيعة صريحة، ويرجح بدلاً من ذلك استمرار التحالف ظاهرياً، في ظل محاولة كل طرف موازنة الطرف الآخر، بما يشبه حرباً باردة غير معلنة. كما يتوقع أن تراقب القوى الإقليمية بعضها بعضاً باستمرار، وأن يُنظر إلى كل دور جديد تتولاه دولة ما باعتباره تهديداً من جانب منافسيها. ويقارن ذلك بأوروبا، حيث تسهم الأطر المؤسسية، مثل حلف شمال الأطلسي «الناتو» والاتحاد الأوروبي، في تخفيف حدة المنافسة إلى حد ما، في حين لا تتوفر أرضية مماثلة في الشرق الأوسط.
ويحذر قاندمير كذلك من «فخ التوسع الاستراتيجي المفرط»، الذي سبق أن تناوله في مقالاته، مشيراً إلى أنه لا يهدد القوى الكبرى وحدها، بل القوى المتوسطة أيضاً. ويوضح أن الانهيار يبدأ عندما تتجاوز الالتزامات الموارد المتاحة، وأن الفراغ الذي تتركه الولايات المتحدة قد يوفر فرصاً مغرية، لكن كل جبهة جديدة تدفع الدولة إلى تجاوز حدود قدراتها قد تمهد لانهيارها. ويقدم إيران في عهد الشاه مثالاً بارزاً على ذلك.
ويخلص الكاتب إلى أن المعادلة الأمريكية تنطوي على تناقض داخلي، إذ إن تقليص الأعباء العسكرية، وتعزيز استقلالية الشركاء، والتركيز على الصين، أهداف قد تتعارض فيما بينها. ويضيف أن الانسحاب من المنطقة قد يؤدي، على نحو مفارق، إلى توسيع هامش المناورة أمام الصين فيها.
ويقول إن واشنطن تفترض أنها تستطيع نقل المسؤولية الأمنية إلى شركائها مع الاحتفاظ بالسيطرة، لكن تاريخ المنطقة يُظهر أن هذا الافتراض نادراً ما يتحقق. ويختتم بالتساؤل عما إذا كانت القوى المتوسطة التي ستتحمل هذه الأعباء قادرة على استغلال الفرصة من دون تجاوز حدود قدراتها.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!











