Banner: 

جلال سلمي - خاص ترك برس

كانت بغداد تُحكم قبل فتحها من قبل الأمير ذو الفقار الذي تم تعيينه من قبل الشاه الإيراني الحاكم في ذلك الوقت طهماسب، وتروي المصادر التاريخية بأن الأمير ذو الفقار بعد قبوله ولاية بغداد قال للشاه طهماسب "حضرة الشاه، أنا قبلت ولاية بغداد فقط في سبيل خدمة المسلمين ورعاية حقهم وأموالهم وحياتهم، ولكن أرجو عذري إذا قلت لكم بأني لن أشترك في أي حرب أو معركة أو أي أمر يمكن أن يضر بالدولة العثمانية ولو قيد أنملة، لن أقوم سوى بمهامي كوالي حاكم لولاية مسلمة ولن أقبل بأي أمر يضر الدولة العثمانية"[1].

وكما تبين الوثائق التاريخية بأن ذو الفقار في أحد الليالي وهو يتسامر مع أصدقائه ووزرائه أفصح لهم عن ما بداخله فيما يتعلق بالحديث الذي جرى بينه وبين الشاه طهماسب قبل أن يأتي لبغداد، فقال لهم "بالطبع الشاه لم يعجبه شرطي، ولكن هو أصر على وضعي والي على بغداد لأنه يعلم جيدًا بأن البغداديين يحبون الأتراك أكثر من الفرس، ولكن أنا كنت مُتأكدًا من أن الشاه لن يتركني بهذا الشكل، والدليل على ذلك استمراره في تحريض البغداديين على الدولة العثمانية وتشجيعه ولو ثلة صغيرة منهم على قتال الدولة العثمانية والهجوم على المناطق المحيطة لا سيما بعد وصول الدولة العثمانية بلاد الشام بعد فتح السلطان العثماني ياووز سليم بلاد الشام في معركة الريدينية[2]، هذه المعركة حدثت عام 1515 وعقبها معركة مرج دابق عام 1516 والتي على إثرها تم فتح بلاد الشام".

وخلال حديث ذي الفقار لأصدقائه انتفض من مجلسه وقال لهم، موجهًا خطابه إلى الشاه بشكل غير مباشر، "يا شاه ويحك تُفسد الاتفاقية بيننا وأنت أكدت لي بأنك ستحترمها ولكن طفح الكيل بعدد جواسيسك ومُخططاتك وعدم احترامك لاتفاقنا، في هذه الحالة اعذرني لم يبقي لك عذر عندي، أنا لن أدع أحدًا يتعرض للدولة الإسلامية ويُشعل الفتنة بين المسلمين".[3]

وفي الصباح التالي وبكل جرأة وشجاعة أمر الوالي ذو الفقار جميع خطباء مساجد بغداد بأن يتلو خطبهم بالثناء على السلطان العثماني سليمان القانون وبعدها بعدة أيام قصيرة قام بصك النقود التي تحمل اسم الدولة العثمانية، بعد هذه الإجراءات بدأ ذو الفقار بتحصين مداخل وقلاع بغداد استعدادًا لأي هجوم محتمل من قبل الدولة الصفوية وأميرها طهماسب.

بعد هذه الإجراءات والاستعدادات أرسل ذو الفقار مفتاح المدينة إلى إسطنبول وأعلن طاعته للسلطان سليمان القانوني، ولكن للأسف يبدو بأن ذي الفقار تحرك بهذه الإجراءات في وقت غير مناسب حيث كان السلطان سليمان القانوني في ذلك الوقت يقود فتوحاته في جزر بودين القريبة من ألمانيا ولم يكن هناك جيش عثماني في إسطنبول ولم يكن في بغداد سوى 900 جندي تابع للأمير ذي الفقار.

علم الشاه الصفوي بهذه الحالة فقام على الفور بتجهيز جيوشه وانطلق نحو بغداد عام 1529، وفي بدايات حزيران/ يونيو من ذلك العام وصل إلى مشارف بغداد. وفي هذه الأثناء كان الوالي ذو الفقار يؤدي صلاة الفجر وبعد تسليمه للشمال رأى نورًا براقًا يأتي من بعيد فانتابته حالة فضول عميقة، وفي هذه الأثناء دخل عليه قائد الجيش التركي في المدينة القائد عزت وقال "سيدي، إن الجيش الإيراني الصفوي بات قريبًا جدًا منا وقد أشعلوا مشاعلهم استعدادًا لفتح المدينة، ولمباغتتهم قمت بإرسال قوة مكونة من 150 جندي للكمن لهم والهجوم عليهم على حين غرة وأما القوات الأخرى فقمت بتوزيعها على القلاع والأبراج وننتظر أمرك للهجوم والدفاع سيدي".[4]

رد عليه الوالي ذو الفقار قائلا ً "أحسنت الصنع، ولكن هل قُمت بتجنيد بعض السكان المحليين ليصبح جيشنا أقوى؟"

القائد عزت "بالطبع ياسيدي".

الوالي ذو الفقار "جيد جدُا، بهذه القوة نستطيع صدهم حتى يأتي السلطان سليمان بدعمه وجنوده".

في هذه الأثناء بدأت الشمس بالشروق أكثر فأكثر وبدأ الجيش الإيراني الصفوي بالاقتراب أكثر فأكثر وتموضع بمدافعه مقابل قلاع ومداخل المدينة، بدأ الجيش الإيراني بضرب بغداد ولكن دون جدوى فقلاعها كانت حصينة منيعة ولكن هذا لم يؤثر على الجيش الإيراني وقائده الشاه طاه ماسب لأنه كان متأكدًا وبكل يقين بأن السلطان العثماني سليمان القانوني على مشارف ألمانيا ويحتاج لسنة كاملة حتى يعود لإسطنبول ويمد يد العون والدعم لبغداد وأميرها ذو الفقار.

وكما كان الملك شاه مطمئن القلب لأنه اتفق مع بعض الرجال البغداديين ومن ضمنهم الأخ غير الشقيق لذي الفقار شير وكان متأكدًا من أن هؤولاء سيسهلون عليه مهمة فتح بغداد، وبالفعل هذا ماحدث إذ قام شير بقتل أخيه ذي الفقار وهو نائم في فراشه، وفُتحت بعض مداخل وأبواب المدينة من قبل بعض رجال الشاه الموجودين في داخل المدينة بشكل مفاجئ وغادروا، وبعد انفتاح الأبواب بهذا الشكل بدأت القوات الإيرانية الصفوية بالتدفق إلى داخل المدينة.

وعلى الرغم من جميع هذه التحركات الخائنة كان القائد التركي عزت مازال كامنًا بقواته الصغيرة التي وجدت فرصتها بعد دخول الجيش الإيراني الصفوي لبغداد وضعف جبهته الخلفية، استغل القائد عزت هذا الضعف وانقض عليهم وبدأ الجيش الإيراني المصدوم بهذا التحرك بالبحث عن طريق للانسحاب الأمر الذي جعلهم يفرون من داخل بغداد إلى الصحراء القاحلة ونجح القائد العسكري الشجاع عزت بمكيدته الحربية البارعة في طرد الجيش الإيراني الصفوي وجعله يعتقد بوجد ترسانة عسكرية ضخمة داخل قلاع بغداد.

بعد هذه التحركات والمعارك وصلت الأنباء إلى السلطان العثماني سليمان القانوني الذي اشتعل غضبًا على الشاه الإيراني الصفوي لمحاولته فتح بغداد بحركة جبانة مُستغلًا وجوده في أوروبا، وقبل وصول هذه الأنباء إلى السلطان العثماني كان بصدد توقيع اتفاقية سلام مؤقتة مع النمسا وبالفعل وقع هذه الاتفاقية عام 1533، وخطب بجيشه بعد توقيع هذه الاتفاقية قائلًا "لا راحة بعد يوم طريقنا نحو بغداد وما بعدها وليس إلى إسطنبول".[5]

انطلق الجيش العثماني بقيادة الصدر الأعظم إبراهيم باشا في شهر آذار/ مارس عام 1534 نحو بغداد وفي طريقه قام بفتح قلاع فان وأرجيش وبيتليس وعادل جواز والأخلاط وتبريز، بعد تأخر إبراهيم باشا في الوصول إلى بغداد قرر السلطان سليمان القانوني بالذهاب بنفسه إلى فتح بغداد وضمها إلى الدولة العثمانية بشكل رسمي، انطلق السلطان سليمان من إسطنبول متجهًا نجو تبريز حيث جيشه ووصل بتاريخ 28 أيلول/ سبتمبر 1534.

وصل السلطان سليمان القانوني تبريز ولكن لم يجد الصدر الأعظم إبراهيم باشا لأن الأخير عندما سمع خبر قدوم السلطان سليمان القانوني أراد استباقه والحصول على شرف فتح بغداد بنفسه، عند وصول إبراهيم باشا إلى بغداد استُقبِل بحفاوة من قبل القائد عزت باشا ووصل السلطان العثماني سليمان القانوني بغداد بتاريخ 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 1534، وعقب وصوله فورًا أعلن بغداد ولاية عثمانية وعين لها والي عثماني وتبعه بجنود عثمانيين لحمايتها من أي غدر صفوي.

المراجع:

[1] مجلة سزينتي التركية التاريخية، العدد 394، تاريخ النشر نوفمبر 2011،

http://www.sizinti.com.tr/konular/ayrinti/kanuni-sultan-suleymanin-bagda...

[2] المصدر نفسه

[3] المصدر نفسه

[4] الصفحة الرسمية لقسم التاريخ التابع لجامعة نيدا، من دراسة بعنوان "فتح بغداد" من إعداد البروفسور رمزي كيليج، تاريخ النشر 19 نوفمبر 2009.

http://host.nigde.edu.tr/remzikilic/makale/index.php?entry=entry091112-1...

[5] موقع "دنيا بولتاني" الاخباري، قسم الدراسات، دراسة بعنوان "فتح القانوني لبغداد" تاريخ النشر: 28 نوفمبر 2014،

http://www.dunyabulteni.net/haberler/236644/kanuni-bagdati-fethetti

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!