ترك برس

منذ بدء الحرب الباردة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، بين الولايات المُتحدة الأمريكية واتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، وتركيا أحد الأطراف المهمة لهذا الصراع، حيث أظهرت تقاربها للقطب الغربي بقيادة الولايات المُتحدة الأمريكية وابتعادها عن القطب الشرقي بقيادة روسيا السوفييتية.

وتنقل الوثائق التاريخية أن تركيا كانت مضطرة إلى الوقوف بجانب الولايات المُتحدة الأمريكية، لأنها كانت بحاجة ماسة إلى المساعدات المالية والعسكرية التي قدمتها الولايات المُتحدة الأمريكية آنذاك، عام 1947، لها ولليونان بتخطيط من رئيس الولايات المُتحدة الأمريكية "هاري ترومان" الذي ارتأى أنه من خلال هذه المساعدات يمكن حماية الدول التي تتعرض لخطر التمدد الشيوعي ويمكن منع الدول المُعرضة لهذا الخطر من الانتقال إلى القطب الشرقي.

وتتمثل الحاجة الماسة لتركيا في قبول تلك المساعدات، هو قيام زعيم الاتحاد السوفييتي "ستالين" بمطالبة تركيا بتسليمه مدينة قارس وأرتوين وأرداهان لأنها مدن "أرمنية سوفييتية" حسب إدعائه، وكما طالب "ستالين" من تركيا بإعطائه قاعدة عسكرية في مضيق البسفور.

لم يكن أمام تركيا آنذاك سوى اللجوء إلى الولايات المُتحدة الأمريكية للتعاون معها ودرء الخطر الروسي المحدق عن أراضيها وممتلكاتها، وبقبول تركيا بالمساعدات الأمريكية؛ تكون رياح الباردة بين الطرفين قد بدأت، وازدادت حدة الحرب الباردة بين الطرفين وأصبحت تركيا العنصر التهديدي الأساسي للتمدد السوفييتي في منطقة الشرق الأوسط، إثر انضمامها إلى حلف الشمال الأطلسي "الناتو" عام 1952.

واستمرت العلاقات بين الطرفين بالجمود إلى أن انتهت الحرب الباردة عام 1991، عقب انتهاء الحرب الباردة، قيل إن هناك العديد من الفرص التي أصبحت سانحة بين الطرفين للتعاون وفتح صفحة جديدة، وعملت القيادتان على تقييم علاقتهما المشتركة من جديد لفتح صفحة جديدة فيما بينهما.

وعلى الرغم من محاولة القيادتين لتخطي الأزمات وإنشاء علاقات جيدة ،إلا أن تنافسهما الاستراتيجي على منطقة القوقاز، ودعم تركيا لأذربيجان في حربها ضد الأرمن "الشريك الاستراتيجي لروسيا" عام 1992، وبالتالي دعم روسيا للأرمن حال دون تقارب الطرفين بالشكل المطلوب.

وحسب ما يبين الخبير في مجال العلاقات الدولية " كامير قاسم"، فإن هجوم روسيا على جورجيا في أغسطس 2008، تخلله استهداف واضح لخطط تركيا وأذربيجان وجورجيا المشتركة التي تهدف إلى نقل الغاز الأذري إلى أوروبا بواسطة خط "باكو ـ تبليسي ـ جيهون".

ويرى قاسم أن احتلال "القرم" من قبل روسيا أثر سلبًا على العلاقات التركية الروسية، إذ كان الموقف التركي معارض لهذا التحرك، ولكن حاولت تركيا الحفاظ على علاقتها جيدة مع روسيا ولم تُصعد من حدة موقفها المعارض لهذه العملية الروسية.

ويوضح قاسم أنه على الرغم من توقيع تركيا للعديد من الاتفاقيات مع الغرب، إلا أنها حاولت أن تقيم علاقتها مع روسيا بشكل معتدل بعيدا ً عن الاختلاف والتضارب، وحتى تجنبت تركيا قرار فرض العقوبات الغربية على روسيا، للحفاظ على سير العلاقات المُشتركة بينها وبين روسيا بشكل جيد، ولكن أبت التطورات السياسية أن يحل التوافق بين الطرفين، إذ أن تفاقم الأزمة السورية اشعل فتيل التنافس الضمني للعلاقات المتبادلة بين الطرفين.

ويؤكد قاسم أن عدم اكتراث روسيا إطلاقا ً بالحساسية التركية تجاه التطورات والتغيرات الجارية في سورية والمنطقة، أعاد روح الحرب الباردة للعلاقات المتبادلة بين الطرفين، منوهًا إلى أن دخول روسيا إلى سورية بذريعة القضاء الداعش مستهدفةً جميع قوى المعارضة السورية المعتدلة ومخترقةً للأجواء التركية باصرار أومأ إلى سقوط الإسفين الرابط للعلاقات بين الطرفين أجلًا أم عاجلًا.

وتحقق ما أشار إليه قاسم في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، حيث أسقطت قوات الجو التركية الطائرة الروسية التي استهدفت جبال التركمان ومن ثم اخترقت الأجواء السيادية لتركيا، وجاءت عملية إسقاط الطائرة الروسية عقب تكرار الطيران الروسي اختراقه للأجواء التركية غير مكترث بالتحذيرات التركية التي قامت بالتنبيه بأنه سيتم إسقاط أي طائرة تخترق الأجواء التركية.

ورأى البعض أن إصرار الطيران الروسي لعملية الاختراق وما أعقبها من إلغاء لافروف لزيارته التي كانت مُتوقعة بعد 3 أيام من الحادثة وتصعيد لروسيا للأزمة من خلال فرضها العديد من العقوبات الاقتصادية على تركيا يبين النية المبيتة لدى القيادة الروسية لعزل تركيا عن المنطقة، ضاربة ً بعرض الحائط جميع أسس العلاقات السياسية الاقتصادية النوعية التي توصل إليها الطرفان.

ومن جانبه، ألمح الباحث السياسي التركي "إسماعيل أوزديمير"، في تصريحاته الصحفية لصحيفة "أورتادوغو" (الشرق الأوسط) التركية، بأن تركيا دولة إقليمية وهناك الكثير ممن يعولون عليها كما أنها كانت تتعرض لضغط شعبي كبير لدعم التركمان الذين تستهدفهم روسيا في سوريا، ولأن التركمان من أصول تركية وليس لهم هناك أي داعم دولي لم يكن أمام تركيا أي خيار سوى تقديم الدعم المعنوي والعسكري لهم.

وأضاف أوزديمير أن روسيا لم تكتفي بعدم استيعاب حساسية تركيا في قضية دعم التركمان، بل تعالت على ذلك وأصرت على اختراق الأجواء التركية كتحدي واضح لتركيا.

ويُفضي أوز دامير أن هذه الصفحة الجديدة التي فتحتها روسيا مع تركيا، بكافة مؤشراتها وشواهدها تُظهر وبكل وضوح أن هناك عودة قاطعة للحرب الباردة والعلاقات الجامدة والباردة بين روسيا وتركيا، لأن روسيا، كما في العهود السابقة، تهدد المصالح التركية الإقليمية بكل وضوح، فبقاء الأسد وتوسيع رقعة التغلغل الروسي والإيراني في سوريا، ليس إطلاقا ً من مصلحة تركيا، وكما أن انتصار المعارضة السورية الحرة المُحاربة للتبعية لأي طرف من الأطراف الدولية ليس من مصلحة روسيا.

ووفقا ً لتحليلات أوز دامير، كان لا بد من الشعرة التي تربط العلاقات الروسية التركية القوية بمظهرها الخارجي الركيكة بتنافسها الباطني، أن تنقطع، وانقطاع الشعرة لا يعني اقتصار بدء التحدي البارد بين تركيا وروسيا فقط، بل بطبيعة حاله ومضمونه سيطال حلف الناتو، لأن تركيا بجوها وبحرها وبرها تُعتبر تابعة لحلف ناتو وحمايتها مسؤولة منه، وبهذه المؤشرات التي تُشير إلى تحول الأزمة إلى أزمة قطبية كما في عهدها السابق، لا تصبح تركيا وروسيا فقط في حرب باردة، بل إن جميع العالم أصبح الآن في حرب باردة.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!