
جلال سلمي - ترك برس
تُعد تركيا إحدى الدول الواقعة في منطقة شرق الأوسط، والوقوع في منطقة الشرق الأوسط كان يعني ما قبل عام 1991 التبعية إما للقطب الغربي بقيادة الولايات المُتحدة الأمريكية أو للقطب الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي، وحتى الدول التي وصفت نفسها على أنها دول "عدم انحياز" كانت مضطرة في بعض الأحيان إلى التبعية أو "الانحياز" إلى هذا القطب أو ذاك، على حد وصف الباحثة السياسية التركية "عائشة بوهورلار".
وحسب بوهورلار أيضًا، فقد كانت تركيا تابعة بشكل كبير للقطب الغربي، وكانت قرارات الحكومات التركية لا تخرج من بين ظهرانيها بشكل مستقل وكامل بل كانت تخرج من لدن المكاتب الأمنية الأمريكية. كلفة هذه التبعية كانت باهظة الثمن على تركيا، وأثرت على المستوى السياسي والاقتصادي لتركيا وأبقت تركيا دولة متخلفة وغير متطورة، لأنه باختصار لم تكن المكاتب الأمنية الأمريكية آبهة إطلاقًا بإحداث مستوى تقدم ملموس في تركيا، بل كانت معنية باستخدام تركيا لتحقيق مصالحها القومية في منطقة الشرق الأوسط والبلقان.
وفيما يخص العوائق التي أصبحت تواجه تركيا في إحداث التغيرات التقدمية والتطويرية عقب انهيار السياسة الاستقطابية في العالم، يشير البروفسور الدكتور "عمر دينجار"، المختص في مجال التنمية العامة والذي عمل ما بين 2003 إلى 2007 كمستشار اقتصادي تنموي لرئيس الوزراء، في كتابه "إعادة هيكلة الإدارة الحكومية"، إلى أن هنالك ثلة من العوائق الداخلية والخارجية التي تُعيق تركيا في بلورة تقدم جذري يجعل منها دولة متقدمة ومتطورة.
وحسب دينجار فإن العوائق الداخلية يمكن تسطيرها كالتالي:
ـ العجز البيروقراطي: هناك عجز بيروقراطي جسيم تُعاني منه تركيا منذ تأسيسها وحتى الآن، وهذه المشكلة التي تواجهها معظم دول العالم، تجعل جميع الأهداف التي تسعى تركيا لتحقيقها مثقلة بالعديد من العراقيل، وذلك لأن الجهاز البيروقراطي يُمثل الجهاز التنفيذي لتلك الخطط التي ترمي تركيا إلى إنجازها، والحل المثالي لذلك هو إعادة تأهيل العاملين داخل جهاز الدولة وتشديد الرقابة الإدارية على الأجهزة الحكومية بشكل عام.
ـ الوضع السيكولوجي "النفسي" والسوسيولوجي "الاجتماعي" للمجتمع التركي: وفي هذا الإطار يلمح دينجار إلى أنه نفسيًّا واجتماعيًا يقبل الأفراد التقدم المادي قبل التقدم الحضاري، بمعنى قد يقبل المجتمع تكنولوجيا قيادة السيارة بكل سهولة، ولكن قد يجد صعوبة في تقبل القوانين الخاصة بالقيادة وقد يأخذ تأقلمه على هذه القوانين فترة طويلة من الزمن، وهذا صلب ما تعانيه تركيا في الفترة الحالية، إذ تجد أن الوضع النفسي والاجتماعي للمجتمع التركي يمكن أن يقبل أن تقدم المادي ولكن يواجه صعوبة بالغة في قبول التقدم الحضاري الذي يُعد العنصر الأساسي لإدامة التقدم المادي وتطويره، ولتخطي هذه العقبات يجب على الحكومة التركية العمل بشكل جاد من خلال تكثيف الدورات التنموية الشاملة لكافة عناصر المجتمع التركي.
ـ دعم مراكز الأبحاث العلمية وزيادة عددها: يوجد في تركيا ما يقارب الستين مركزًا للأبحاث العلمية المتنوعة ما بين فكرية وسياسية واقتصادية وحقوقية واجتماعية وثقافية، وأغلب هذه المراكز وافق تاريخ تأسيسها تولي حكومة حزب العدالة والتنمية لمقاليد الحكم في تركيا، بمعنى أن حكومة حزب العدالة والتنمية لعبت دورًا كبيرًا في نشر فكرة ضرورة تأسيس عدد من مراكز الأبحاث العملية التي تلعب دورًا مهمًا في تعديل الوضع النفسي والاجتماعي للمجتمع وتعمل على زيادة الوعي والعقلانية وروح التقدم والتطور داخل أفراد وفئات المجتمع المختلفة، لذا لا بد من تطوير مراكز البحث العلمي لزيادة روح الوعي ليس فقط في تركيا بل العديد من الدول التي تحاول تحقيق مستوى مميز من التقدم.
أما على الصعيد الداخلي، فيرى دينجار أن تركيا تعاني الآتي:
ـ سخط الدول العظمى: تعتمد النظرية الهيكلية للدول العظمى على أساس جعل أكبر عدد ممكن من الدول حول العالم تابعة لها، وتعتمد هذه الدول على أسس الاستعمار الحديث في إبقاء الدول "الفرعية" أو دول العالم الثالث تابعة لها، بمعنى تستخدم هذه الدول الأساليب الناعمة مثل القروض الاقتصادية، والدعايات الإعلامية الترويجية لسياستها واقتصادها، ودعم الأحزاب السياسية لرؤيتها الاستعمارية وخاصة تلك الأحزاب التي تحمل الفكر "التغريبي".
جن جنون الدول العظمى عندما رأت تركيا تُحدث بعض التقدم في عدد من المجالات، لذلك منذ تقدم تركيا وتحقيقها نوعًا من الاكتفاء الذاتي وهذه الدول لا تنتهي من إحاكة مؤمرة لاستهداف هذا التقدم حتى وتُحيك غيرها، وهذا ما يجعل امتحان تركيا في إحقاق نوعً مميز من التقدم امتحانًا عصيبًا.
ـ الأوضاع السياسية والاقتصادية المتذبذبة في المناطق المجاورة لتركيا: منذ بداية التسعينات وحتى الآن ومنطقتا البلقان والشرق الأوسط تعانيان من تدهور كبير ومآسي أليمة تُعطل أمنها واستقرارها وتقدمها وتغيرها الإيجابي.
هاتان المنطقتان لا يستطيعان أن ينعما بالسلام إلا لفترات قصيرة، والسبب الرئيس في ذلك؛ وجود حاضنة اجتماعية مختلفة ما بين "طائفية" "مذهبية" "عرقية" خصبة للدول الاستعمارية لإحداث الاصطفاف بين طوائف شعوب هاتين المنطقتين.
وبطبيعة الحال إذ كانت أوضاع الدول المتاخمة لتركيا غير مستقرة، فهذا سينقلب على الاستقرار والأمن التركي السياسي والاقتصادي بالتأثير السلبي الحاد، وهذا أيضًا يلعب دورًا كبيرًا في تعطيل ما ترنو تركيا إلى تحقيقه من تقدم سياسي واقتصادي جذري في كافة المجالات الخاصة بها.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!










