ياسر عبد العزيز - خاص ترك برس

لم يترك اللواء المنقلب خليفة حفتر قواته في أزمتها، التي ورطها فيها فيما أسماه معركة الفتح المبين، قاصدا القاهرة إلا لأمر جلل.

فقواته التي تذوق الأمرين وتتهاوى على أعتاب طرابلس، أضافت إلى تاريخ الرجل صفحة جديدة في كتاب هزائمه، على الرغم من الدعم الذي يتلقاه من الإمارات والسعودية والنظام في مصر، من الأولى والثانية ماليا ومن الثالث مخابراتيا ولوجسيتيا، وفي كثير من الأحيان ماديا بضربات تنفذها قواته جوا أو برا.

هذا الدعم الذي استطاع به خليفة حفتر أن يصل لما وصل إليه من سيطرة على المثلث الأهم في ليبيا، مثلث الثروة والنفط، فالإضافة إلى دعم السعودية له بالمال والسلاح، دعمته من خلال رجالها المخلصين للفكر الجامي والمدخلي فصار له أتباع وأنصار بعد أن كان أبترا، لا عزوة له ولا قبيلة تدعمه، فكان المال السعودي فاتحا الأبواب المغلقة التي ما كان لحفتر أن يفتحها، مع ذلك وقفت قبيلة بني وليد حجر عثرة أمام حلم حفتر، ولم يفلح معها المال السعودي الإماراتي.

ومع تباعد المواقف نسبيا بين داعمي حفتر، رغم اتفاقهم في الهدف، فقد وقع حفتر في حيرة بين إرضاء الكفيل السعودي وترضية الكفيل الإماراتي، وهو ما جعله يهرع إلى الوسيط في القاهرة ليجد الحل، فالسيسي لديه من الخبرة الكافية لإخراج حفتر من الأزمة التي وقع فيها.

لطالما كان النظام المصري المخطط والمدبر للعمليات العسكرية لقوات الكرامة، وتفيد المعلومات أن غرفة عمليات قوات الكرامة تضم ضباطا من المخابرات والأركان المصرية تضع الخطط وتحرك القوات وترسم التكتيكات أثناء المعارك، ولطالما شاركت طائرات النظام المصري في ضرب الأهداف المستعصية على قوات حفتر، كما شارك ضباط وأفراد من تشكيلات مختلفة من جيش النظام المصري في العمليات الهجومية على معاقل الثوار في ليبيا، وهو ما يؤكد أن النظام المصري هو فاعل أساسي في المشهد الليبي.

ولقد كانت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للقاهرة نقطة تحول لموقف النظام المصري من الأزمة في ليبيا على مستوى الشراكات، فبعد أن كان النظام المصري متماهيا في مواقفه مع أبو ظبي تحول الأمر كثيرا، حيث ترى فرنسا أن السعودية شريك كبير يجب عدم تجاوزه، ومن ثم فإن الصفقة الفرنسية مع النظام المصري: "أن أتجاوز عن جرائمك الإنسانية وأدعمك لحصول على الشرعية الدولية الكاملة مقابل تأمين مصالحي في ليبيا لكن برعاية سعودية"، حيث المصالح الاقتصادية والاستثمارات التي ستنقذ الحكومة الفرنسية من الأزمة التي تعيشها والتي فجرها أخيرا أصحاب السترات الصفراء.

هذا الموقف الذي هو حول النظام المصري عن كفيله الإماراتي إلى الكفيل السعودي، ولقد ظهرت حالة الجفاء في الفترة الأخيرة بين القاهرة وأبو ظبي، فعلى الرغم من محاولات الدبلوماسية المصرية إظهار العلاقة بين النظامين على أنها تمر بأحسن حالاتها، وهو عكس الحقيقة، وهو ما قرأ من زيارة حفتر للرياض قبل البدء في العملية العسكرية على طرابلس، والتي قرأت على أنها بنصيحة من السيسي، ويضاف إلى ذلك قرار النظام المصري الخروج من التحالف العربي في اليمن، كل ذلك لم يكن إلا محاولة من النظام للضغط على الإمارات بإيعاز من السعودية التي تتحمل كلفة الحرب في اليمن وحدها، في مقابل لعبة ذكية من الإمارات جندت فيها ميليشيات يمنية للحرب بالوكالة، وهو ما يعني أن السعودية ستضغط باتجاه انخراط أكبر للإمارات في الحرب في اليمن، كما أن النظام المصري الذي يدرك أن اللعب في صفوف السعودية سيكون أكثر نفعا من اللعب مع دولة صغيرة تفسح لنفسها مكانا لقيادة الخليج.

حفتر الذي ترك قواته غارزة في صحراء طرابلس، طار إلى القاهرة ليجد لنفسه حلا للأزمة التي تحتاج دعما دوليا، أقنعه السيسي في تلك الزيارة أن ضالته سيجدها في الرياض التي تمتلك نفوذا مقبولا على بعض الدول العربية لإلزامها بالصمت وطمأنتها بشأن توابع التحرك العسكري في ليبيا، هذا من ناحية، وعلى المستوى الدولي من ناحية أخرى، فالولايات المتحدة وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا لا ترى بدا من التصعيد الذي افتعله حفتر على حكومة يعترف بها العالم، ولن تنطلي على المجتمع الدولي فرية محاربة الإرهاب، كما أن جر منطقة الشمال الإفريقي للفوضى في هذا الوقت، امر سابق للجدول الزمني الموضوع على لائحة الأزمات العالمية.

عن الكاتب

ياسر عبد العزيز

كاتب وباحث سياسي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس