ياسين أقطاي - الجزيرة

كشفت ردود الفعل على حرب روسيا على أوكرانيا زوال القناع الذي كان يغطي وجه أوروبا، والذي ظهرت تحته أشكال مختلفة تماما عن تلك التي كانت تحاول تقديمها للعالم طوال فترة طويلة.

وليس هناك قناع على وجه روسيا في هذه الحرب، لأنها دولة لا تحاول إخفاء قبحها أكثر من اللازم، فهي دولة وقحة بما فيه الكفاية لا تسعى وراء التجمل، فبينما كانت تستولي على منازل الملايين من الناس في سوريا وتذبح عشرات الآلاف من الناس بطريقة وحشية وتجرف وتدمر جميع المباني السورية التاريخية رأت أن ما كانت تقوم به "مجرد ضرورة لمصلحتها"، ولم تبذل أدنى جهد لشرح ذلك للعالم، فقد كانت تنفذ أهدافها بدون الشعور بأي قلق حيال ما يقف أمامها.

وقد فعلت الشيء نفسه في ليبيا، فعندما قاتلت ضد الشعب الليبي هناك بالعمليات التي نفذتها قوات فاغنر وأخذت ما كل ما تستطيع أن تأخذه من الليبيين كان الشيء الوحيد الذي كانت تراه أمامها منافسيها الذين يحاولون فعل الشيء نفسه لكن بطريقة أكثر نفاقا، وأثناء قتالها معهم لم يكن موضع اهتمامها قوانين الحقوق والملكية والشرف لسكان وملاك هذه الأرض التي يقاتلون عليها.

إن روسيا هي آلة حرب الخالية من المشاعر، فكل ما تفهمه هو القوة، ويمكنها القيام بجميع الحيل الممكنة باستخدام قوتها وقوة غيرها، وربما يكون الاتحاد السوفياتي قد أخفى رغبته في تكوين الإمبراطورية واستعادتها، لكنه لم يتخلص منها أبدا.

أما اليوم فقد أصبح من الواضح أن الجين الإمبراطوري في روسيا ليس مجرد تلفيق أو حكاية من الغرب يستخدمها كفزاعة، فعندما تتاح لها الفرصة فإنها تنظر إلى البلدان المجاورة كما ينظر الذئب إلى الخروف، وتصبح مثل شخص مستعد لفعل أي شيء من أجل أن يجد الطعام.

لكن السؤال: هل يمكن لسياسة الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا أن تفسر عدوان روسيا؟

رغم أن كل هذه الأحداث في هذه العملية تعبر عن حقيقة روسيا فإن هذه الحقائق لا تجعل أوروبا بيضاء ونقية، تماما كما أن استفزازات أوروبا أو الولايات المتحدة ونبوءاتها وسياساتها ضد روسيا لا تبرر رد فعل تلك الأخيرة وقيامها بهذه الحرب.

وبعد كل شيء فإن الوجه الأوروبي الذي انكشف بعد ردود الأفعال التي أبدتها تجاه الهجوم الروسي على أوكرانيا كان وجها قبيحا للغاية وباليا جدا وعنصريا ويتسم بالجهل الشديد، وهو ما يظهر في الطريقة التي يتحدث بها العديد من المراسلين والمعلقين في العديد من القنوات التلفزيونية عن اللاجئين الأوكرانيين، والتي تكشف عن تمييز عنصري عميق الجذور، وعن جهل ولا مبالاة تخبئ العنصرية تحتها، وهذا أعمق بكثير من أن يكون مجرد مسألة لغة.

إن أولئك الذين يُبدون ردات الفعل العنصرية غالبا ما يجهلون ما يقومون به، ولا يعرفون مدى عمق هذه المواقف والسلوكيات العنصرية، وعندما يُسألون فإنهم ضد العنصرية أكثر منك، لأن الإشارة إلى العنصرية كفعل شرير هي موقفهم ومبدؤهم.

إن المواقف الوحشية وغير الإنسانية لروسيا محفورة بالفعل في أذهان العالم الإسلامي في سوريا، بمجازرها الوحشية للأطفال والمدنيين ودعمها المستمر المقدم لدكتاتور أعمته الدماء، ولكن الغريب في الأمر أن أوروبا الآن أصبحت قادرة على رؤية مدى الفظائع الروسية من خلال أحداث -نسبيا- هي أقل فظاعة مما كان يجري سابقا.

إن حقيقة أن جميع الدول الأوروبية يجب أن تحتضن الأوكرانيين الذين يبحثون عن ملاذ آمن من خلال الهروب من الهجمات الروسية ربما تكون مثالا باكيا على التضامن مع الإنسانية، لكن المنطق الذي تم طرحه أثناء إظهار هذا التضامن لا يبعث الأمل للإنسانية على الإطلاق، لأن القيام بفصل اللاجئين -ولا سيما اللاجئين السوريين والعرب والأفارقة، وحقيقة أن هذا الفصل يتم تقريبا بشكل جماعي من قبل جميع الأطراف- هو طبعا أمر يمثل مشهدا مخيبا لآمال الإنسانية.

ما الذي سيدافع عنه "المحاربون الأجانب" في أوكرانيا؟

ولعل الجانب الإيجابي للحدث هو أن روسيا لفتت الانتباه إلى الجرائم والقمع وجرائم الحرب التي ارتكبتها في سوريا منذ 11 عاما بالتعاون مع نظام الأسد الدموي وإيران، ولذلك يُتوقع منها الآن أن تتعاطف مع نفسها وتدعمها وتقول: أنا لست يائسة تماما، يمكن أن تكون مثل هذه الأحداث محفزة ومنيرة لي، من يدري؟

وعلى الرغم من أن مصطلح "المقاتلين الأجانب" الذين أتوا من جميع أنحاء العالم بدوافع مختلفة للحرب في الميدان السوري استخدم لتلويث المقاومة الشعبية السورية على الرغم من أنهم اندفعوا من جميع أنحاء العالم للمساعدة ضد دكتاتور قتل شعبه لكن في حالة أوكرانيا نرى أن مفهوم "المقاتلين الأجانب" الذين جاؤوا تضامنا مع الشعب الأوكراني أصبح فجأة إيجابيا، إذ أراد رئيس أوكرانيا فولوديمير زيلينسكي في البداية أن ينضم أشخاص من الخارج إلى قوة دولية، ثم عندما سُئلت وزيرة الخارجية البريطانية ليز تروس عن رأيها في هذه القضية قالت إنها تدعم ذلك علانية وتدعم الناس للانضمام إلى هذا الكفاح من أجل الحرية والديمقراطية، ليس فقط لأوكرانيا ولكن لأوروبا بأكملها.

وهكذا، فإن "المقاتلين الأجانب" -الذين ظل اسمهم لسنوات يترافق مع مصطلح "الإرهاب" في نفس الجملة- تراهم أوروبا اليوم وقد أصبحوا مدافعين شرفاء عن قيم الاتحاد الأوروبي، المقاتلون الأجانب أصبحوا الآن الشرفاء الذين يدافعون عن المعتدى عليهم وينصرون الإنسانية ويقومون بعمل نبيل، فإلى أي درجة يجب أن نرى انعكاس ذلك على المواقف تجاه "اللاجئين" أو "المقاتلين الأجانب" في القضية السورية؟!

عن الكاتب

ياسين أقطاي

نائب في البرلمان التركي ونائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ومسؤول الشؤون الخارجية في الحزب


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس