د. طالب عبد الجبار الدغيم - خاص ترك برس

يتكشّف المجتمع الريفي السوري، عند مقاربته تاريخياً، بوصفه أحد الحقول الأساسية التي تشكّل فيها التفاعل بين الاقتصاد، والبنية الاجتماعية، والسلطة السياسية، بعيدًا عن الصورة الاختزالية التي تحصره في كونه مجالاً إنتاجياً تابعاً للمدينة أو الدولة. فالريف السوري شكّل، عبر قرن كامل من تاريخ سوريا، فضاءً لصياغة علاقات العمل، وأنماط الملكية، وبنى التضامن، وأشكال الضبط الاجتماعي، بما جعله عاملاً حاسماً في استقرار الدولة حيناً، وفي اهتزازها حيناً آخر.

وإنّ التحولات الزراعية التي عرفتها سوريا منذ أواخر العهد العثماني لا يمكن قراءتها بوصفها تحولات تقنية أو قانونية فقط، حيث ارتبطت بإعادة تعريف موقع الفلاح داخل المجتمع السوري، وبإعادة توزيع السلطة داخل الريف، وبإدماج هذا الأخير تدريجياً في منطق الدولة المركزية والسوق. وقد تراكمت هذه التحولات عبر مراحل متعاقبة، من دون أن تُفضي إلى بناء اقتصاد زراعي مستدام أو مجتمع ريفي متماسك، ما جعل الريف عرضةً للتفكك والهجرة قبل اندلاع الثورة السورية بسنوات طويلة.

التحولات التاريخية في البنية الزراعية والريفية السورية

تشكلت البنية الزراعية في سوريا الحديثة ضمن سياق تاريخي اتسم بتداخل التشريعات والحالة الاقتصادية والسساسية والأمنية، منذ أواخر القرن التاسع عشر. فقد أسهم قانون الأراضي العثماني لعام 1858 في إعادة تنظيم الملكية الزراعية على نحوٍ نقل الأرض من إطارها الاجتماعي التقليدي إلى إطار قانوني قابل للتجميع والاحتكار. ونتيجةً لذلك، فقد انتقلت مساحات واسعة من الأراضي إلى أيدي وجهاء محليين ومُلاّك غائبين، بينما تحوّل جزء كبير من الفلاحين إلى عمّال زراعيين مرتبطين بالأرض بعلاقة عمل لا ملكية فرديةBatatu, 1999, p.p 45 – 62)   )

وفي مرحلة الاحتلال الفرنسي، كان يمثل الريف السورية عنصراً في إدارة الاستقرار السياسي والاقتصادي. فقد حافظت السلطة الانتدابية على شبكات من النفوذ الريفي، ولا سيما في مناطق مثل حوران وسهل الغاب والجزيرة السورية، مع إدخال تحسينات محدودة في الري والبنية التحتية، دون المساس بالبنية الطبقية القائمة. وقد أدى ذلك إلى تثبيت اختلالات اجتماعية عميقة، جعلت الريف عرضة للتوترات والانفجارات الدورية ( (Khoury, 1987, p.p 133- 150.

ومع الاستقلال، برز الإصلاح الزراعي بوصفه أداة لإعادة التوازن المجتمعي، ولا سيما في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين. غير أنّ التطبيق العملي لهذه السياسات، خصوصاً بعد عام 1963، أفضى إلى إدماج الريف في منظومة الدولة المركزية من خلال التحكم بالإنتاج، والتسعير، والتسويق، بدل تمكين الفلاح اقتصادياً. ففي مناطق الجزيرة السورية، على سبيل المثال، أدّت سياسات القمح والقطن إلى ربط الفلاحين بالمؤسسات الحكومية، ما حدّ من استقلالهم الاقتصادي، وراكم هشاشة طويلة الأمد  Hinnebusch, 2001, p.p 78 – 95) ). وهكذا، أُعيد تشكيل الريف السوري تدريجياً باعتباره فضاءً تابعاً اقتصادياً، يعتمد على الدولة في التسويق والدخل، ومن دون بناء قاعدة إنتاجية مرنة، الأمر الذي مهّد على المدى الطويل، لحركة هجرة ريفية واسعة، وبداية تخلخل البنى المجتمعية في الأرياف السورية.

الفلاح في الحركة الوطنية السورية وعلاقته بالسلطة بعد الاستقلال

يظهر الفلاح السوري في تاريخ الحركة الوطنية بوصفه فاعلاً اجتماعياً شارك في صياغة المجال السياسي. فمنذ العشرينيات من القرن العشرين، لعبت الأرياف دوراً مركزياً في مقاومة الانتداب الفرنسي، ولا سيما في مناطق حوران، وجبل العرب، وأرياف الساحل والجزيرة السورية، حيث تداخلت المطالب الوطنية مع حركة احتجاجات اجتماعية على أنماط الجباية والملكية الزراعية، والتسلط الفئوي على الأرض والمحصول. وقد شكّلت الثورات الريفية؛ كثورة جبل العرب بقيادة الشيخ سلطان باشا الأطرش (1925–1927)، نقطة التقاء بين خطاب الاستقلال السياسي ومطالب العدالة الاجتماعية المرتبطة بالأرض والعمل(Khoury, 1987, 201 – 235) .

وفي مرحلة ما بعد الاستقلال الوطني، احتفظ الفلاح بمكانة رمزية في الخطاب السياسي، على اعتبار أنه حامل لقيم أخلاقية وإنسانية، ولدوره في عملية الإنتاج، غير أنّ هذه المكانة لم تُترجم إلى تمكينٍ مؤسسي طويل الأمد. فالأحزاب التي صعدت في المدن استندت إلى الريف كخزان بشري انتخابي وتنظيمي، دون أن تطوّر آليات مشاركة سياسية تضمن استقلالية الفعل الريفي. ومع تعاقب الانقلابات العسكرية، أُعيد تعريف العلاقة بين الفلاح والسياسة ضمن منطق الدولة المركزية، حيث جرى إدماج الريف عبر مؤسسات حزبية ونقابية تُدار من الأعلى (Batatu, 1999, p.p 301 – 335) .

ولقد شكّلت سياسات الإصلاح الزراعي في الخمسينيات والستينيات لحظةً فاصلة في هذه العلاقة؛ إذ أتاحت إعادة توزيع الأراضي لفئات واسعة من الفلاحين تحسّناً اجتماعياً نسبياً، وأسهمت في تفكيك سطوة الملاّك الكبار في مناطق مثل الغاب وحوران. غير أنّ هذا التحسّن ترافق مع انتقال مركز القرار من المجتمع المحلي إلى الدولة، حيث باتت الزراعة خاضعة للتسعير المركزي، وتسويق المحاصيل عبر مؤسسات حكومية، وربط الدعم بالولاء السياسي (Hinnebusch, 2001, 112 – 138)

وفي هذا السياق، تحوّلت الزعامة الريفية من قيادة اجتماعية نابعة من الملكية أو المكانة المحلية إلى وسيط إداري - سياسي بين الفلاح والدولة. ففي الجزيرة السورية، على سبيل المثال، أعادت سياسات القطن تنظيم الريف حول تعاونيات رسمية، وأضعفت المبادرات الذاتية، وربطت دخل الفلاح بموسم واحد وسياسة تسعير واحدة، وهو ما راكم هشاشة اقتصادية طويلة الأمد، وزاد من تهميش تلك المناطق السورية (Mundy, 2015, 145 – 162) . وبذلك تراجعت المشاركة السياسية الريفية المستقلة لصالح علاقة زبائنية قائمة على الحماية والدعم مقابل العمل بانتظام. وبمرور الوقت فقد الفلاح دوره كفاعل سياسي ليغدو جزءاً من السياسات العامة، وهو مسار أسهم في ما بعد في اتساع الفجوة بين الريف والدولة، وتهيئة الأرضية الاجتماعية للهجرة والاحتجاج، ورفع الصوت لأجل مطالبهم ومشاركتهم ..  

الترابط الاجتماعي والاقتصادي في الريف السوري

تشكّل الترابط الاجتماعي والاقتصادي في الريف السوري ضمن منظومة مركّبة، فهي لم تكن قائمة على القرابة فحسب، وإنما على تداخل العمل الزراعي، وتقاسم المخاطر والمصالح، وتنظيم الزمن الاجتماعي حول المواسم. فقد أدّت العائلة الممتدة، والجوار القروي، وأشكال التعاون غير الرسمي كالعونة، وتبادل الأيدي العاملة في الحصاد وظيفةَ نظام أمان اجتماعي، قد حدّ من آثار الفقر وتقلبات المناخ، ووفّر قدراً من الاستقرار خارج مؤسسات الدولة (Batatu, 1999, p.p 88 – 104)  

وإن هذا الترابط خضع لتحولات تدريجية مع توسّع الاقتصاد النقدي وسيولة الليرة، ودخول الزراعة في إطار السوق الوطنية. وحسب رايموند هينبوش، فإنه في مناطق مثل حوران وسهل الغاب، ظلّت الزراعة المعيشية قائمة حتى ستينيات القرن العشرين، حيث كان الإنتاج موجّهاً أساساً للاستهلاك المحلي، مع فائض محدود للسوق. غير أنّ إدخال المحاصيل النقدية، ولا سيما القطن في الجزيرة السورية، أعاد تنظيم العلاقات الاجتماعية حول متطلبات السوق والدولة، وأضعف منطق التعاون التقليدي لصالح علاقات تعاقدية أكثر هشاشة (Hinnebusch, 2001, 96 – 111).

ومع توسّع دور الدولة في التسويق والتسعير، لم يعد الفلاح يعتمد على شبكته الاجتماعية بقدر اعتماده على مؤسسات رسمية تحدد دخله وتوقيت صرف مستحقاته. وقد أدّى هذا التحول إلى إعادة تشكيل التراتبية داخل القرية نفسها، حيث برزت فئات أكثر اتصالاً بالإدارة والبيروقراطية الزراعية، مقابل تهميش فلاحين صغار وعمال موسميين. وفي مناطق الساحل السوري، على سبيل المثال، أسهم تراجع زراعة التبغ التقليدية، وارتباطها بشركات احتكارية، في تقويض أنماط الاستقلال الاقتصادي التي كانت تؤمّن توازنًا اجتماعياً نسبياً.

وبالتوازي مع ذلك، أدّت الهجرة الموسمية، سواء إلى المدن السورية الكبرى أو إلى الخارج، إلى إضعاف الروابط اليومية داخل الريف. فالهجرة الريفية، التي بدأت بوصفها استراتيجية تكيف مؤقتة، تحوّلت تدريجياً إلى نمط عيش دائم، أعاد توزيع الأدوار داخل الأسرة، وقلّص من حضور الأجيال الشابة في العمل الزراعي. ومع الزمن، تآكلت الوراثة المهنية المرتبطة بالأرض، وتراجع نقل الخبرة الزراعية بين الأجيال، وخاصة مع نشوء جيل من الشباب المتعلم الذي بدأ يدرس في المدن (Seurat, 1989, p.p 71 – 86)

وعشية الثورة السورية، كان هذا الترابط الاجتماعي قد فقد كثيراً من قدرته على امتصاص الصدمات. وعندما اندلعت الثورة، تبيّن أن الريف، الذي طالما شكّل شبكة أمان للمجتمع، بات هو نفسه بحاجة إلى حماية، على اعتبار أن الثورة اندلعت بشكل عميق في الأرياف السورية. فقد افتقد المجتمع الريفي إلى موارد اقتصادية مستقلة، وإلى شبكات قوية قادرة على مواجهة النزوح والتدمير الممنهج لآلة النظام الأسدي وميليشياته وحلفائه، ما جعل التفكك الاجتماعي نتيجة منطقية لمسار طويل من الإضعاف البنيوي، لا مجرّد أثر طارئ للحرب.

تحولات الحياة الريفية في زمن الثورة السورية

جاءت الثورة السورية لتكشف اختلالاتٍ تراكمت عبر عقود في الأرياف السورية، وجعلت المجتمع الريفي أكثر هشاشةً أمام الصدمة. فقد كان الريف، عشية عام 2011، يعاني من تراجع حاد في مردودية الزراعة، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتدهور الموارد المائية، ولا سيما في مناطق الجزيرة السورية والفرات الأعلى وإدلب وأرياف حلب وحماة، حيث أدّت سياسات إدارة المياه والجفاف الممتد بين 2006 و2010 إلى تفريغ آلاف القرى جزئياً من سكانها (FAO, 2011)

ومع اندلاع الثورة، تحوّل الريف من فضاء إنتاجي هش إلى ساحة مفتوحة للعنف والنزوح. فقد تضرّرت الأراضي الزراعية بفعل العمليات العسكرية، وانقطعت سلاسل التوريد والتسويق، وتفككت منظومات الري التقليدية، سواء في الغاب أو في أرياف حلب وإدلب. ولم يعد الفلاح قادراً على ضبط إيقاع حياته حول الموسم الزراعي، وإنما حول متطلبات البقاء اليومية، ما أفضى إلى تغيّر جذري في نمط العيش الريفي  (UNDP, 2017)  

وكما أعادت الثورة رسم العلاقة بين الريف والمدينة. فبعد أن كان الريف مصدراَ للهجرة الاقتصادية الموسمية، أصبح مصدراً للنزوح القسري واسع النطاق عبر سياسات الحصار والتدمير والتهجير القسري من أرياف دمشق وحمص وحماة وإدلب وحلب ودير الزور والرقة، ما حمّل المجتمعات الريفية عبئاً مزدوجاً؛  فقدان اليد العاملة المنتجة من جهة، وتحول جزء من الريف إلى فضاء لاستيعاب للمهجرين من مناطق أخرى من جهة ثانية. وفي مناطق مثل ريف إدلب الشمالي وريف حلب الغربي، نشأت أنماط معيشية جديدة قائمة على اقتصاد المساعدات، والعمل غير المستقر، وتراجع الزراعة إلى نشاط هامشي، وصلت مستويات لم تمر بها سوريا من قبل.

وفي الوقت الحاضر، ومع سقوط نظام الأسد، يواجه الريف السوري واقعاً مركّباً لا يمكن اختزاله في ثنائية الدمار وإعادة الإعمار. فمسألة العودة الريفية تصطدم بإشكاليات بنيوية، وإن أبرزها تفكك الملكيات الصغيرة، وغياب التمويل الزراعي، وتدهور البنية التحتية، واستمرار اختلال العلاقة بين الفلاح والسوق المحلية والدولية. وفي مناطق الجزيرة السورية، على سبيل المثال، باتت عودة الزراعة مرهونة بتحرير تلك المناطق من الميليشيات المسلحة الغير شرعية، وتوحيد تلك المناطق تحت مؤسسات الدولة الوطنية، وإعادة تنظيم إدارة المياه، وتسوية قضايا الملكية، وإعادة بناء الثقة بين المجتمع المحلي والدولة الجديدة.

تُظهر قراءة المسار الطويل للمجتمع الريفي السوري أنّ ما بدا في لحظة الثورة والحرب انهياراً مفاجئاً، إنما كان تتويجاً لاختلالات بنيوية راكمها تاريخ ممتد من سياسات الأرض، وإدارة الزراعة، وعلاقة الدولة بالمجتمع. فالريف، الذي شكّل لعقود قاعدة للاستقرار الاجتماعي ومجالاً لإعادة إنتاج العيش والعمل، جرى إدماجه تدريجياً في منطق الدولة المركزية والسوق المُقيَّد دون تمكين حقيقي، ما أضعف استقلاله الاقتصادي، وقلّص شبكات تضامنه، وفتح الطريق أمام الهجرة بوصفها استراتيجية وحيدة للعيش دون قيود.  واليوم، في مرحلة ما بعد سقوط النظام، لا يمكن اختزال إعادة بناء الريف في إعادة إعمار مادي أو دعم إغاثي؛ إذ يتطلب الأمر إعادة تأسيس شاملة لعلاقة الأرض بالعمل، وللسياسات الزراعية بالعدالة الاجتماعية، وللدولة بالمجتمع المحلي.

المراجع:

Batatu, H. (1999). Syria’s peasantry, the descendants of its lesser rural notables, and their politics. Princeton, NJ: Princeton University Press.
Khoury, P. S. (1987). Syria and the French mandate: The politics of Arab nationalism, 1920–1945. Princeton, NJ: Princeton University Press.
Hinnebusch, R. (2001). Syria: Revolution from above. London: Routledge.
Seurat, M. (1989). L’État de barbarie. Paris: Éditions du Seuil.
Mundy, M. (2015). Governing property, making the modern state: Law, administration, and production in Ottoman Syria. London: I.B. Tauris.
Food and Agriculture Organization of the United Nations. (2011). Syria: Drought impact assessment and agricultural recovery needs. Retrieved from https://www.fao.org
Food and Agriculture Organization of the United Nations. (2023). Syria: Agricultural recovery and rural livelihoods. Retrieved from https://www.fao.org
United Nations Development Programme. (2017). Livelihoods and local economic recovery in Syria. Retrieved from https://www.undp.org

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس