ترك برس

تناول مقال للكاتب والأكاديمي التركي أحمد أويصال، العلاقة الجدلية بين الحروب والتنمية، من خلال تحليل الآثار الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للنزاعات المسلحة على الدول والمجتمعات، سواء تلك المنخرطة مباشرة في الحروب أو المتأثرة بها بشكل غير مباشر.

ويركّز أويصال على كيفية تحوّل الحروب إلى عامل بنيوي معيق للتنمية عبر تدمير البنية التحتية، واستنزاف الموارد، وتعطيل المؤسسات، وتهجير السكان، فضلًا عن آثارها بعيدة المدى على التعليم والصحة والتركيبة الديموغرافية.

كما يناقش إشكالية التعافي بعد الحروب، ودور الحوكمة والمساعدات الدولية في كسر الحلقة المفرغة بين العنف والتخلّف التنموي. وفيما يلي نص المقال الذي نشرته صحيفة الشرق القطرية:

تُعد الحروب من الظواهر الملازمة للتاريخ الإنساني، ولم تختفِ رغم التقدم الذي شهده العالم في العصر الحديث. فقد عرف القرن الماضي حربين عالميتين، بينما تتواصل اليوم النزاعات في عدد من الدول مثل أوكرانيا وغزة وسوريا والسودان، سواء على المستوى الداخلي أو بين الدول. كما يبقى الشرق الأوسط منطقة مرشحة لمزيد من التوترات. وتنعكس الحروب سلبًا بشكل عميق على تنمية المجتمعات، وخاصة على الاقتصاد، إذ تتحول الأولويات أثناءها نحو البقاء وتحقيق النصر، مما يؤدي إلى شلل الإنتاج، وتراجع التجارة والاستثمار، وترك المصانع والأراضي الزراعية مهجورة.

تُنشِّط الحروب بعض القطاعات المرتبطة بالصناعات الدفاعية، لكنها في المقابل تُصيب العديد من القطاعات الأخرى بالشلل. فخلال الحرب العالمية الثانية تحولت مناطق صناعية واسعة في أوروبا وآسيا إلى أنقاض، واستغرقت إعادة إعمارها سنوات طويلة. وعندما تُحوَّل ميزانيات الدولة المخصصة للبنية التحتية أو لمشاريع التنمية بسرعة نحو الإنفاق العسكري، فإن ذلك قد يعيد القطاعات الناشئة عقودًا إلى الوراء. كما يُعد التضخم من المشكلات المتكررة في أوقات الحروب، ويُنظر إلى دفع اليد العاملة المؤهلة والكفاءات المتعلمة إلى جبهات القتال على أنه شكل من أشكال استنزاف العقول أو هجرة الكفاءات.

حتى تنمية الدول المجاورة تتأثر سلبًا بالحروب. فتركيا والدول العربية، رغم أنها لم تكن طرفًا مباشرًا في العديد من حروب الشرق الأوسط، تأثرت في الغالب بشكل سلبي بالنزاعات الإقليمية. كما أن الكلفة الإنسانية للحروب باهظة للغاية؛ فإلى جانب الخسائر البشرية، تؤدي الحروب إلى تشريد ملايين الأشخاص وتحويلهم إلى لاجئين. وتتفكك الأسر، ويتغير التوازن بين الرجال والنساء، وتُهجَّر المجتمعات من أماكنها، وقد تستمر الجراح النفسية عبر أجيال متعاقبة. فعلى سبيل المثال، يُعرف أن نحو 14 إلى 15 مليون سوري أُجبروا على النزوح داخل البلاد وخارجها خلال الحرب الأهلية السورية. ومثل هذه الهجرات تُغيّر البنية الديموغرافية لكل من الدول المتحاربة وجيرانها.

يعاني المهاجرون في البلدان التي يقصدونها من صعوبات تتعلق بتعلّم اللغة الأجنبية، والتعليم، إلى جانب تحديات اجتماعية وثقافية أخرى. كما تتعطل الخدمات الاجتماعية بشكل خطير أثناء الحروب؛ إذ قد تُدمَّر المستشفيات والعيادات أو تُستَخدم فوق طاقتها، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات المرض والوفيات. ويزداد تأمين الغذاء صعوبة، ومع تقييد الوصول إلى المساعدات الإنسانية تظهر مشكلة سوء التغذية، ولا سيما بين الأطفال والنساء وكبار السن. وتزداد المأساة خطورة عندما يُستَخدم الجوع كسلاح، كما في حرب غزة، حيث تصبح الأوضاع الإنسانية أكثر فداحة.

تُشكّل البنية التحتية المادية العمود الفقري للتنمية. ففي الحروب الحديثة، سواء كجزء من الاستراتيجية العسكرية أو كنتيجة غير مباشرة لها، تستهدف الدول طرق العدو وجسوره ومحطات الطاقة ومنشآت تنقية المياه والمدارس والمستشفيات. وفي حرب أوكرانيا نلاحظ أن منشآت البنية التحتية قد استُهدفت بشكل متعمّد. وعندما تتضرر شبكات النقل يتعطل النشاط التجاري، وتصبح إمكانية الوصول إلى التعليم أو الخدمات الصحية صعبة أو مستحيلة. وحتى بعد انتهاء الحرب، تبقى عملية إعادة إعمار هذه البنية التحتية شاقة وتستغرق وقتًا طويلًا، كما هو الحال في غزة وسوريا.

يُعد الاستقرار السياسي شرطًا أساسيًا لتحقيق التنمية، غير أن الحروب غالبًا ما تُطيح بالحكومات القائمة وتُضعف المؤسسات. ومع ضعف الإدارة، يصبح من الصعب إعادة ترسيخ النظام والثقة داخل المؤسسات العامة. كما أن تأثير الحروب على البيئة قد يكون كارثيًا إلى حد كبير؛ فإلى جانب الدمار البيئي، تستمر الألغام الأرضية والقنابل غير المنفجرة التي تخلفها الحروب في حصد أرواح الأطفال، فضلًا عن جعل الأراضي الزراعية غير صالحة للاستعمال. ولا تقتصر الصدمة النفسية للحرب على الأفراد فحسب، بل تمتد لتؤثر في عملية بناء الأمة بأسرها. كما قد تتفاقم التوترات العرقية والدينية بسبب الحرب وتستمر حتى بعد انتهائها. وبسبب الحروب والنزوح، تحدث اختلالات خطيرة لا يمكن تعويضها في تعليم الأطفال، كما هو الحال في العراق وسوريا.

عادةً ما يكون التعافي الاقتصادي بعد الحروب بطيئًا وغير منتظم. إذ تستفيد بعض المناطق أو الفئات السكانية أكثر من غيرها، مما قد يزرع بذور صراعات مستقبلية. ويمكن للمساعدات الدولية وعمليات حفظ السلام أن تكون مفيدة، لكنها لا تكون فعّالة إلا إذا اقترنت بحوكمة رشيدة، وسياسات اقتصادية شاملة، واستثمارات في التعليم والصحة. ومن دون دعم شامل ومستدام، تقع كثير من الدول في حلقة مفرغة من العنف والفقر والتخلّف التنموي.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!