ترك برس

تناول مقال للكاتب والصحفي عدنان جان، في موقع التلفزيون العربي، الخلفيات الجيوسياسية التي أدّت إلى سحب ورقة الوساطة من يد تركيا في المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، مبيّنًا أن القرار لم يكن تقنيًا ولا بروتوكوليًا، بل نتاج حسابات صراع نفوذ بين أنقرة وطهران.

يوضح الكاتب كيف رأت إيران في الدور التركي الصاعد – بعد تمدده في سوريا والعراق والقوقاز وتقاربه مع واشنطن والعواصم العربية – تهديدًا استراتيجيًا لا وسيطًا محايدًا، ففضّلت نقل المفاوضات إلى عُمان، التي تُعد وسيطًا "آمنًا" وغير منافس.

ويضع الكاتب ذلك في إطار العلاقة التركية–الإيرانية التاريخية القائمة على التعايش القَلِق بين التعاون والتنافس، حيث تتحول كل فرصة دبلوماسية إلى ساحة اختبار للقوة الإقليمية. وفيما يلي نص المقال:

لماذا تراجعت الوساطة التركية فجأة؟ سؤالٌ لا يجيب عنه البيان الرسمي بقدر ما تفسّره توازنات العلاقة التركية–الإيرانية وساحات التنافس المفتوحة بينهما.

بدت الأجواء إيجابية خلال زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى إسطنبول يوم الجمعة 30 يناير/ كانون الثاني الماضي، ولا سيما لجهة دور الوساطة الذي قد تلعبه تركيا بين طهران وواشنطن.

ظهر ذلك في المؤتمر الصحافي الذي جمع وزيري خارجية تركيا وإيران، وسبقه اتصال هاتفي بين الرئيس رجب طيب أردوغان ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان، ثم اتصال آخر أجراه أردوغان مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وقد تمحورت هذه اللقاءات والاتصالات حول ضرورة دفع المسار الدبلوماسي وتجنيب المنطقة شبح حرب جديدة.

كان من شبه المؤكد، وفق ما تردد في كواليس أنقرة، أن تستضيف إسطنبول جولة مفاوضات برعاية تركية وبحضور مسؤولين كبار من عدة دول عربية. حتى إن بعض المصادر التركية المطلعة كشفت لموقع التلفزيون العربي أن قصر "دولمة بهشة" التاريخي سيكون مقرًا لها، وأن الرئيس أردوغان سيشارك بكلمة افتتاحية.

لماذا سُحِبت الوساطة من يد تركيا؟

كثّف مهندس السياسة الخارجية التركية، هاكان فيدان، اتصالاته الدبلوماسية مع مختلف الأطراف الفاعلة لتهيئة الظروف لنجاح الوساطة، مستندًا إلى خبرته الأمنية والاستخباراتية، رغم تشابك الملفات وتعقّدها. لكن فجأة خيّم الصمت على التحركات التركية، بعد إعلان إيران رفضها عقد المفاوضات في إسطنبول ونقلها إلى سلطنة عُمان.

لم تعلّق أنقرة على قرار طهران نقل المفاوضات من إسطنبول إلى مسقط، والتزمت الصمت الدبلوماسي حيال ذلك. غير أن المتابع لمسار العلاقة بين البلدين يدرك أن وراء الخطوة حسابات إيرانية، وربما ضغوطًا مارسها جناح متشدد في طهران على عراقجي بعد عودته من إسطنبول، لسحب ورقة الوساطة من يد الجانب التركي.

كانت تركيا تعوّل كثيرًا على نجاح هذه المفاوضات، مستفيدة من علاقاتها الجيدة مع الإدارة الأميركية، ومن مستوى تنسيق مرتفع مع دول عربية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ودولة قطر ومصر.

ويستند هذا التعويل إلى أسباب عدة، أبرزها إدراك أنقرة أن أي حرب جديدة ضد إيران ستنعكس سلبًا على المنطقة بأسرها، وقد تخلق حالة من الفوضى على حدودها الشرقية. كما أن أنقرة رأت في الوساطة فرصة لكسب نفوذٍ إقليمي إضافي، وربما كان هذا تحديدًا ما لم تستسغه طهران.

توصَف العلاقات بين تركيا وإيران بأنها قائمة على معادلات معقدة تتحكم فيها الجغرافيا، ويصبغها التاريخ، وتحرّكها المصالح. هي علاقة تعاون حذر وتنافس إقليمي، قد يكون علنيًا أحيانًا وصامتًا أحيانًا أخرى. وتعود جذورها إلى حقبة الدولتين العثمانية والصفوية، حين رُسمت الحدود بينهما في اتفاقية قصر شيرين عام 1639، وهي من أقدم الحدود المستقرة في المنطقة.

يدرك البلدان الجاران، اللذان تجمعهما نحو 560 كيلومترًا من الحدود البرية، أنهما شريكان لا يمكن الاستغناء عن بعضهما، وفي الوقت نفسه خصمان لا تتوافر بينهما ثقة كاملة. لذلك تقوم العلاقة على إدارة الخلافات والحيلولة دون تفاقمها، من دون أن ترقى إلى تحالف استراتيجي، ومن دون أن تنزلق إلى قطيعة دبلوماسية.

محالات التعاون بين تركيا وإيران

على الرغم من تباين المصالح، لا تزال هناك مجالات تعاون ثابتة، أبرزها الاقتصاد والطاقة.

فإيران من الدول المهمة التي تورد الغاز الطبيعي إلى تركيا، كما أن التبادل التجاري لم ينقطع رغم العقوبات الأميركية، وتحولت تركيا في مراحل عديدة إلى ما يشبه نافذة اقتصادية محدودة لإيران على العالم.

ويضاف إلى ذلك تعاون أمني محدود ضد منظمات كردية مسلحة تنشط على الحدود بين الجانبين، وتوافق الطرفين على منع قيام كيان كردي مستقل قد يهدد الأمن القومي لكليهما.

ساحات التنافس الإقليمي

في المقابل، تبقى ساحات التنافس هي المحدِّد الأوضح لحدود هذا التعاون. فقد شكّلت سوريا واحدة من أبرز ساحات الصراع بين تركيا وإيران، قبل سقوط نظام الأسد، ما أفقد طهران ورقة نفوذ إقليمي كانت بالغة الأهمية.

ومع ذلك، بقيت ساحات أخرى مفتوحة، ولا سيما العراق، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم، إضافة إلى جنوب القوقاز، حيث تنظر إيران بقلق إلى التقارب التركي-الأذربيجاني، بوصفه تقاربًا بين دولتين ناطقتين بالتركية، في وقت يعيش داخل إيران ملايين المواطنين من أصول تركية.

بين هذه الساحات المتنازعة ومناطق التعاون المحسوب، جاءت “إسطنبول” لتتحول إلى تفصيل في الوقت بدل الضائع: المدينة التي كادت أن تصبح منصة تفاوض أميركية–إيرانية، أُخرجت من المشهد لأسباب تتصل بتوازنات النفوذ أكثر مما تتصل بحسابات الدبلوماسية.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!