ترك برس

تناول مقال للكاتب والخبير التركي يحيى بستان، تشكل آلية إقليمية غير مُعلنة تقودها تركيا بالشراكة مع قطر والسعودية ومصر لإدارة الأزمات الكبرى في الشرق الأوسط وإفريقيا، موضحا كيف انتقل هذا التنسيق من ملفات غزة وسورية وإيران إلى ساحة القرن الإفريقي، وتحديدًا الصومال. 

يشرح الكاتب أن نشر مقاتلات F-16 التركية ومروحيات أتاك في الصومال ليس إجراءً تكتيكيًا منفصلًا، بل جزء من استراتيجية ردع استباقية في مواجهة محاولات إسرائيل والإمارات تفكيك دول المنطقة عبر الاعتراف بأرض الصومال ودعم كيانات انفصالية في اليمن والسودان. 

ويخلص إلى أن ما يجري يعكس بروز محور إقليمي جديد يضع «السلاح على الطاولة» لحماية وحدة الدول ومنع إعادة رسم خرائط المنطقة بالقوة، في لحظة يعاد فيها تعريف ميزان القوى من شرق المتوسط إلى القرن الإفريقي. وفيما يلي نص المقال الذي نشرته صحيفة يني شفق:

كنت قد استخدمت عنوانًا مشابهًا في تموز/يوليو 2025 بشأن سورية. فقد اندلعت أحداث السويداء، واستهدفت إسرائيل دمشق، ولم يلتزم تنظيم قسد/واي بي جي باتفاق 10 آذار. وفي أعقاب ذلك، طلبت إدارة دمشق رسميًا من تركيا دعمًا أمنيًا ومساندة في مكافحة الإرهاب. وكان ذلك يعني أن تركيا وضعت السلاح على الطاولة. وقد تابعنا جميعًا التطورات التي تلت ذلك.

فلماذا أستخدم العنوان ذاته هذه المرة في ما يتعلق بالصومال؟ لأن تطورات لافتة تشهدها الساحة هناك. فقد جرى نشر مقاتلات إف-16 تركية في الصومال. وبحسب ما سمعت، فإن مروحيات أتاك التركية قدمت دعمًا جويًا للعملية المشتركة التي تنفذها الولايات المتحدة والصومال لمكافحة الإرهاب ضد حركة الشباب/تنظيم القاعدة. وتأتي هذه التحركات في ظرف أعلنت فيه إسرائيل اعترافها باستقلال أرض الصومال. وسأنقل التفاصيل لاحقًا، لكن ينبغي أولًا شرح البنية الجيوسياسية الجديدة التي بدأت ملامحها تتشكل في المنطقة.

ثلاثة إنجازات لآلية لم يطلق عليها اسم بعد

برز في الآونة الأخيرة تشكيل مهم غير مُسمى، يلعب دورًا فاعلًا في حل الأزمات الإقليمية. ويتكون نواته من تركيا وقطر والسعودية ومصر، فيما يُعد فريق الاتصال بشأن غزة أساسه الأولي. فبعد أحداث 7 تشرين الأول مباشرة، ومع بدء إسرائيل هجماتها، تغيرت الجغرافيا السياسية للمنطقة جذريًا.

وقد أثار توسيع إسرائيل لهجماتها وطرحها خطط تهجير السكان العرب قلق دول الخليج. ومن هنا جرى تفعيل فكرة «فريق الاتصال» التي طرحتها أنقرة، بمشاركة سبع دول. وعند هذه المرحلة، اجتمع ترامب وثماني دول على طاولة واحدة في أيلول/سبتمبر وطرحوا «خطة السلام في غزة». صحيح أن الأمور ليست مثالية بالكامل، لكن إسرائيل لم تعد الطرف الوحيد الذي يحدد مسار الأحداث.

أما القضية الثانية التي لعبت هذه الآلية دورًا مهمًا فيها فهي سورية. فقد اضطلعت تركيا وقطر والسعودية — بدعم من مصر والأردن — بدور حاسم في الجهود الرامية إلى تمكين الدولة السورية من الوقوف على قدميها والحفاظ على وحدة أراضيها. وقد جرى تفكيك تنظيم قسد/واي بي جي، غير أن الطريق لا يزال طويلًا، إذ إن العملية مستمرة.

مفاجأة إيرانية في اللحظة الأخيرة

وكانت آخر وظائف هذه الآلية تأجيل اندلاع صراع مهم، وأعني بذلك التوتر بين الولايات المتحدة وإيران. وفي هذه المرة، لعبت تركيا وقطر ومصر دورًا بارزًا. فقد وُجهت إلى إيران نصائح تدعوها إلى حل ملفها النووي مع الولايات المتحدة وتحسين علاقاتها مع دول المنطقة.

في المقابل، وُجهت إلى الولايات المتحدة رسالة مفادها: «امنحوا إيران مخرجًا مشرفًا، وافصلوا بين الملفات، وابدأوا بحل القضية النووية أولًا». وقد قبلت واشنطن التفاوض بشرط أن يُناقش الملف النووي مباشرة في إسطنبول، وأن تتولى الدول الإقليمية المدعوة مناقشة القضايا الأخرى. ويمكن القول إن دول المنطقة أنقذت إيران من وضع بالغ الخطورة.

غير أن إيران، وكعادتها، فجّرت مفاجأة في اللحظة الأخيرة. فقد اعترضت على عقد المفاوضات في إسطنبول، بحجة أنها ستكون استمرارًا للمفاوضات السابقة، واقترحت عقدها في عُمان، مطالبة بتغيير الصيغة والمضمون. وقالت إنها مستعدة لمناقشة الملف النووي، لكنها ترفض بحث مسألتي الصواريخ والقوى الوكيلة.

كما اعترضت على مشاركة الدول الإقليمية الأخرى. علمًا بأن جميع الأطراف، باستثناء إيران، كانت تؤيد مشاركتها. ويُعد هذا قرارًا بالغ الخطورة يُنسب إلى توقيع المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي يتخذ موقفًا متشددًا متأثرًا بإرث السنوات الماضية. فهو لا يريد أن يبدو ضعيفًا أمام دول المنطقة، ويسعى عند الجلوس إلى طاولة التفاوض مع الولايات المتحدة إلى فرض أجندته وتعزيز أوراقه.

وقد يحقق هذا النهج مكاسب تكتيكية، لكنه يترك إيران في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، ويضعف يد الدول الوسيطة التي تحاول منع أي هجوم أمريكي. وقد رأينا نتائج ذلك خلال «حرب الاثني عشر يومًا».

دور الآلية في إفريقيا

في هذا الظرف الحرج، زار الرئيس رجب طيب أردوغان السعودية ومصر. وأصدرت أنقرة والرياض بيانًا مشتركًا لافتًا، لم يتطرق إلى إيران ولو بسطر واحد، لكنه تناول غزة وسورية، وكذلك الصومال واليمن والسودان. وقد صدرت رسائل مماثلة خلال الزيارة إلى مصر.

وتتطلب التطورات في إفريقيا اهتمامًا خاصًا. فقد أثار اعتراف إسرائيل باستقلال أرض الصومال، ومحاولة التحالف الإسرائيلي-الإماراتي تقسيم اليمن، قلقًا لدى أنقرة والرياض والقاهرة — وكذلك الدوحة — التي تؤكد دعمها لوحدة أراضي دول المنطقة.

ومهما يكن مما يجري تداوله في الكواليس، فقد ازداد الحراك العسكري في اليمن والسودان والصومال. إذ استهدفت السعودية في اليمن عناصر مدعومة من الإمارات بشكل مباشر، فيما نشرت مصر طائرات مسيّرة على حدود السودان، وبدأت تركيا في تعزيز وجودها العسكري في الصومال. وجميع هذه التطورات حدثت بشكل متزامن.

المقاتلات التركية في أجواء الصومال

من المعروف أن لتركيا حضورًا عسكريًا في الصومال، وقد انضمت إلى هذا الحضور مؤخرًا ثلاث مقاتلات تركية من طراز إف-16. لكن ما مهمة هذه الطائرات؟

يُقال إن الوضع في الصومال معقد، وإن تركيا تدعم وحدة أراضي البلاد واستقرارها، ولديها استثمارات هناك، كما يجري إنشاء قاعدة فضائية وتكثيف العمل في مجال الطاقة. ولهذا أُرسلت هذه الطائرات لحماية هذه الأنشطة. ويُقال أيضًا إن سفينة «تي سي جي سنجاقدار» أبحرت نحو الصومال برفقة سفينتين أخريين، وهي تحمل مساعدات إنسانية ومعدات مختلفة. كما تمتلك تركيا في البلاد طائرات مسيّرة ومروحيات «أتاك»، ما يعكس توجهًا لتعزيز وجودها هناك.

لكن هل ستشارك الطائرات التركية في عمليات مكافحة الإرهاب؟ فمن المعروف أن هناك تهديدًا قويًا من تنظيم القاعدة وحركة الشباب. وترددت معلومات تفيد بأن الولايات المتحدة والجيش الصومالي ينفذان عمليات مشتركة لمكافحة الإرهاب، وأن القوات المسلحة التركية تقدم خدمات استشارية للجيش الصومالي في هذه العمليات. كما أشارت المعلومات إلى أن مروحيات «أتاك» قدمت دعمًا جويًا لإحدى العمليات المشتركة لمكافحة الإرهاب.

وخلاصة القول إن الآلية التي لعبت دورًا في ملفات غزة وسورية وإيران تبدو وكأنها توفر أيضًا تنسيقًا غير معلن في الملف الإفريقي. وهذه الآلية لا تحمل اسمًا حتى الآن فهل آن الأوان لإطلاق اسم عليها؟

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!