ترك برس

تناول مقال للكاتب والمفكر يوسف قابلان، بحثًا فلسفيًا وروحيًا في معنى «الروح العثمانية»، مميّزًا بينها وبين العثمانية بوصفها مؤسسة تاريخية، ويرى أن جوهرها يكمن في المفاهيم والقيم التي أنشأت الدولة لا في هياكلها الشكلية. ومن خلال أفكار رينيه غينون ومفهوم «التصلّب»،

ويوضح الكاتب أن الحضارة العثمانية مثّلت ذروة تحوّل الحقيقة الإسلامية من علاقة حيّة مباشرة إلى صيغة مؤسسية منضبطة، من دون أن تفقد جوهرها الروحي، حيث تشكّلت على أساس مفاهيم مثل «الإنسان الكامل»، والحكمة، والتصوف، والأدب، لتكون محاولة تاريخية للجمع بين الروح والنظام في إطار حضاري إسلامي،   وفيما يلي نص المقال الذي نشرته في صحيفة يني شفق:

أنشر المقال الأخير لممثل منصة الفكر والتأمل في أذربيجان، وقار عزيزوف، الذي شاركنا في إرساء أسس جسرٍ فكري بين تركيا والعالم التركي. مقالٌ عميق يفتح آفاقًا جديدة للتأمل في «الروح العثمانية». قراءة ثرية للفكر. هل نبحث عن «الروح العثمانية» في «المؤسسة» أم نستحضرها في «المفهوم»؟

يرى رينيه غينون أن التاريخ يسير في انحدارٍ من الكيف إلى الكم، ومن المعنى إلى المادة، ومن المركز إلى الأطراف، ومن الهرمية إلى التسوية، ومن الحكمة إلى التصلب التقني.

ويمثل هذا المسار تكاثف الوجود تدريجيًا، وثقل الروح، وهيمنة المادة. وقد عبر غينون عن هذه الحالة بمصطلح «كالي يوغا».

ويجد هذا المعنى ما يقابله في أقوال النبي محمد ﷺ؛ إذ وردت أحاديث وروايات كثيرة بمعنى: (لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه). غير أن التجربة التاريخية تُظهر لنا صورة مختلفة.

في الفكر الإسلامي يظهر توتر يتكرر كثيرًا، لكنه غالبًا ما يُتناول بصورة سطحية: فمن جهة، هناك قول النبي ﷺ: «لا يأتي زمانٌ إلا والذي بعده شرٌّ منه»، ومن جهة أخرى، هناك حقيقة حضارية تُظهر أن الحضارة الإسلامية أخذت تتعمق وتترسخ وتزداد بهاءً عبر مسار الدولة الأموية فالعباسية فالسلجوقية فالعثمانية. وللوهلة الأولى يبدو أن هاتين الصورتين متناقضتان، غير أن التدقيق يكشف أنه ليس ثمة تناقض، بل حديث عن مستويين مختلفين.

ويمكن العثور على «عثمانية المستقبل» عند حل هذا التوتر الظاهري؛ فـ«الروح العثمانية» ليست هي ذاتها «العثمانية المؤسسة». وهنا يقدم مفهوم «التصلب» عند رينيه غينون مفتاحًا لفهم المسألة. ففي عهد النبي ﷺ كانت العلاقة مباشرة بين الحقيقة والإنسان، والمقصود بتعبير «تدهور الزمان» هو تراجع هذا الاتصال المباشر بالحقيقة.

ويمكن قراءة مفهوم «التصلب» عند غينون في ضوء الأحاديث النبوية؛ فالتصلب لا يعني الفساد، ولا الإنكار، ولا العلمنة. بل يعني انتقال الحقيقة من علاقة حيّة إلى صورةٍ شكلية ومؤسسية. ففي المراحل الأولى كانت الحقيقة تنتقل من إنسان إلى إنسان، ومن كلمة إلى كلمة، ومن حالٍ إلى حال. ومع اتساع الحضارة، أخذت هذه الحقيقة تتجلّى في القانون والمؤسسة والبيروقراطية والبروتوكول. وهذه عملية لا مفرّ منها، إذ لا تستطيع حضارة كبرى أن تستمر بغير ذلك.

 

وهنا تكمن النقطة المحورية: فالدولة العثمانية تمثل ذروة التصلب، لكنها في الوقت نفسه تمثل ذروة التصلب الذي ظل محتفظًا بطابعه الإسلامي. لقد وسعت الدولة العثمانية نطاق الشكل، وعزّزت المؤسسة، وعمّقت النظام، لكنها حافظت — لفترة طويلة — على التوازن عبر العدل والأوقاف والعلم والحكمة. ولهذا لم تكن العثمانية أسوأ تجليات الإسلام، بل كانت أكثرها تحمّلًا لأعبائه.

 

فهل يدين حديث «لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه» التجربة العثمانية؟ الجواب: لا. فالحديث لا يقول إن صورة الحضارة تتقلص، ولا إن الدول تفسد حتمًا، بل يشير إلى أن كثافة حضور الحقيقة في الإنسان تتراجع. ففي العهد العثماني لم تختفِ الحقيقة، لكنها انتقلت من تماسٍّ فردي مكثّف إلى حفظٍ مؤسسي، وهذا ليس «شرًّا» بقدر ما هو ازدياد في المسافة.

 

إن التصلب هو تحول التكاثف إلى صورةٍ شكلية: في عصر الصحابة: العلاقة بين الحقيقة والإنسان. في العهد العثماني: العلاقة بين الحقيقة والمؤسسة.

فقد خرجت الحكمة من إطار العلاقة الحيّة لتتحوّل إلى نظام وقانون وبروتوكول وبيروقراطية، وهي عملية حتمية لاستمرار الحضارات الكبرى. ومن ثمّ، فالعثمانية ليست عظيمة رغم تصلّبها، بل عظيمة لأنها استطاعت أن تبقى إسلامية رغم هذا التصلّب.

 

الروح العثمانية: التصوف وأفق الإنسان الكامل

 

وكما يظهر في التاريخ الإسلامي، فإن الازدهار الحضاري لا يعني فساد الجوهر، بل تجدد الشكل. كما أن «المأسسة» تنبع في أصلها من «المفهومية». وهنا يطرح الأستاذ يوسف قابلان توصيفه للدولة العثمانية بمفهوم «الإنسان الكامل».

 

فلنتوقف لحظة ونتأمل: إن ما يُسمّى «الروح العثمانية» يتجلى في هذا المفهوم تحديدًا. فالمؤسسات والبُنى العثمانية لم تظهر عشوائيًا، بل نشأت من مفاهيم. ومفهوم «الإنسان الكامل» انبثق من الإجابة عن سؤال: لماذا خلق الله تعالى الإنسان؟ فمن خلال المؤسسات يرتبط الإنسان بروح القرآن التي تمثّل جوهر المفاهيم. ومن ثمّ، فإن الدولة التي سعت إلى بناء البيئة التي أرادها القرآن كانت هي الدولة العثمانية. لقد حولت العثمانية روح من سبقها إلى بنيةٍ مؤسسية، واستمدّت هذه الروح من جذورٍ عميقة قامت على ثلاثية: العلم والمعرفة والحكمة، التي بلورها كلٌّ من الغزالي وابن عربي وجلال الدين الرومي.

 

وقد انتقلت أبيات الرومي الحكيمة إلى كل مؤسسات الدولة العثمانية وبناياتها وأحجارها، لترسخ في القلوب الميّالة إلى العبادة. وليس عبثًا أن العديد من المدارس العثمانية كانت تُدرّس «المثنوي» إلى جانب القرآن والسيرة النبوية بوصفه مقررًا أساسيًا. ولم يكن «المثنوي» مجرد نظمٍ أدبي، بل كان يحمل خلاصة التراث الروحي والفكري الذي صاغه الغزالي وابن عربي، بما يتضمنه من رموز روحية تمتد جذورها إلى مكة والمدينة.

 

وعندما نتحدث عن «الروح العثمانية»، فإن المقصود ليس التوقف عند الأشكال المؤسسية للدولة، بل الكشف عن المفاهيم التي كانت تغلي في داخل هذه المؤسسات.

وإلى جانب مفهوم «الإنسان الكامل»، فإن مفاهيم مثل «الأدب»، و«الفتوّة»، و«نظام العالم»، و«الحقيقة المحمدية والرحمة» تمثل الشرايين الأساسية لهذه الروح، وهي التي أنجبت المؤسسات العثمانية.

غير أن هذه الروح، عندما خضعت لهيمنة المادة، فقدت الكيف والقيم، وتقدّم الكمّ على حسابهما. وتفكّكت الوحدة الهرمية إلى امتدادٍ أفقي برزت فيه شعارات المساواة والحرية، فاختُزلت الحقيقة من معناها العمودي القيمي إلى بعدٍ أفقي كمّي.

 

وفي مثل هذا العصر، فإن البحث عن «الروح العثمانية» لم يتجاوز — للأسف — حدود البحث الكمي؛ إذ إن العثمانية التي ينبغي البحث عنها ليست في مؤسساتها الشكلية، بل في عمق مفاهيمها.

 

ولعل هذا هو المقصود بقول الأستاذ يوسف قابلان: «لا يمكنكم الصعود إلى السماء من دون النزول إلى الجذور». فالمطلوب ليس تقليد الجذور، بل التحقّق من الجذر الحقيقي الذي يمتد نحو العلو.

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!