نبي ميش - صباح (04.03.2026) - ترجمة وتحرير ترك برس

مرّت 72 ساعة على الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران. في أدبيات الحروب الحديثة، تُعدّ الساعات الـ72 الأولى بالغة الأهمية، لأن قدرات الأطراف المتحاربة ونواياها واستراتيجياتها تتضح إلى حدّ كبير خلال هذه الفترة.

وعند النظر إلى الأطراف المتحاربة، يتبيّن أن الولايات المتحدة لا تمتلك استراتيجية واضحة. وقد أصبح أكثر وضوحاً أن واشنطن لحقت بإسرائيل وأن ترامب دُفع إلى الحرب. وقد عبّر وزير الخارجية ماركو روبيو عن هذه الحقيقة بشكل رسمي عندما قال إنهم انجرفوا إلى الحرب بناءً على طلب إسرائيل.

هناك تصريحات متناقضة داخل الإدارة الأمريكية بشأن الهدف والمبررات. فبينما شدّد ترامب على “تغيير النظام”، قال وزير الحرب بيت هيغسيث: “هذه ليست حرباً لتغيير النظام”. ويُظهر هذا عدم وجود انسجام في الإطار الاستراتيجي للهجوم. كما أن المعلومات المتسرّبة من البنتاغون، والتي تشير إلى أنه “لا يوجد تهديد إيراني وشيك للولايات المتحدة في المستقبل القريب”، تكشف الخلافات بين صانعي القرار الأمريكيين.

الولايات المتحدة لا تملك استراتيجية واضحة لدخول الحرب فحسب، بل لا تملك أيضاً “استراتيجية خروج”. وتبدو واشنطن وكأنها فقدت السيطرة على مسار الحرب. ويبدو أنها لم تكن تملك تصوراً عن قدرة إيران على الرد وعن مدى تأثير الحرب على هذه المنطقة الواسعة. كما يتضح أنها لم تتوقع الكلفة العالمية لقيام إيران بتوسيع نطاق الحرب في المنطقة.

من منظور إسرائيل والولايات المتحدة، قد يُنظر إلى مقتل كبار المسؤولين الإيرانيين والمرشد الديني علي خامنئي في الضربات الأولى على أنه إنجاز مهم من حيث القدرة العملياتية. أما بالنسبة لإيران، فيمكن اعتبار ذلك صدمة كبيرة للغاية. ومع ذلك، فعلى الرغم من مقتل هذا العدد الكبير من كبار المسؤولين، سارعت إيران إلى تفعيل آلية “القيادة المؤقتة” وفقاً للدستور. ويعمل النظام من حيث الاستمرارية المؤسسية. ولم يظهر حتى الآن “فراغ في السلطة” كانت إسرائيل تتوقعه. ويواصل الجيش الإيراني هجماته على الأهداف المحددة مسبقاً.

وتحافظ قوات الحرس الثوري والقيادة السياسية على السيطرة المركزية. ويبدو أن مقتل المرشد الديني قد أحدث تأثير “الالتفاف حول العلم”. وفي هذا السياق، لم يظهر حتى الآن أي تصدع في وحدة النخبة. ومن هذا المنظور، لا يبدو أن توقع تغيير النظام واقعي على المدى القصير.

تطبّق إيران عقيدة “الرد متعدد الطبقات”. وهي تتحرك وفق مفهوم “الحرب الوجودية”. ولذلك لم تُبقِ الحرب محصورة بإسرائيل فقط. فهي تركّز على “توسيع الكلفة عبر نقلها إلى الخارج” من خلال استهداف القواعد الأمريكية في الخليج، والتجارة البحرية، ومضيق هرمز. وهي تسعى إلى رفع كلفة الحرب على المستويين الإقليمي والعالمي. وقد نفذت هجمات ضد جميع دول الخليج، بما فيها عمّان التي تقوم بدور الوسيط. وبذلك أدخلت المنطقة بأكملها في أتون الحرب. ورغم أن إيران تفكر من خلال هذه الخطوات في إعادة ترسيخ الردع وإجبار الولايات المتحدة على التراجع، فإنها ألحقت ضرراً كبيراً بشرعيتها الإقليمية.

وبما أن إيران وسّعت الحرب بحيث تُلحق أضراراً كبيرة بدول الخليج بدلاً من أن تقتصر على إسرائيل مباشرة، فإن ذلك يخدم أيضاً مصالح تل أبيب. فالعلاقات التي بدأت بالتطبيع بين إيران ودول الخليج قبل السابع من أكتوبر ستشهد بعد هذه الحرب قطيعة دراماتيكية من جديد. ويجب قراءة حقيقة أن إسرائيل كانت الدولة التي أرادت منذ البداية حرباً إقليمية من خلال هذا السياق. ولذلك فإن اصطفاف دول المنطقة بالكامل ضد إيران كان وضعاً ترغب فيه إسرائيل. كما أن توسيع إيران لردّها ليشمل دول المنطقة اعتُبر خطوة خاطئة من قبل دول وشعوب المنطقة، بما في ذلك تركيا.

تواصل تركيا نشاطها الدبلوماسي. فهي تدير حركة دبلوماسية مكثفة مع إيران، ومع دول المنطقة، ومع الولايات المتحدة والدول الغربية. أي إنها تجري اتصالات مع جميع الأطراف. كما تبذل جهوداً مكثفة لمنع انتشار الحرب، وتقليل كلفتها، والعودة مجدداً إلى طاولة الدبلوماسية. وفي الوقت نفسه تحاول اتخاذ جميع الاستعدادات لإدارة الضغوط المحتملة للهجرة، وكذلك التكاليف التي قد تنشأ في أمن الطاقة والاقتصاد في حال طال أمد الحرب.

وبما أن إيران انتقلت إلى مفهوم “الحرب الوجودية”، فإن احتمال إطالة أمد الحرب يزداد تدريجياً. وفي تاريخ الحروب العالمية، تُعد هذه المرة الأولى التي يُقتل فيها في اللحظة الأولى معظم كبار قادة دولة ما، بما في ذلك المرشد الديني. ومن شأن هذا الوضع أن يجعل عودة إيران إلى طاولة المفاوضات أكثر صعوبة من ناحية الكرامة الوطنية. وبما أن خامنئي ليس زعيم إيران فقط بل أيضاً زعيم العالم الشيعي، فإن الآثار غير المتوقعة للحرب قد تمتد لتؤثر في مناطق جغرافية أوسع بكثير.

 

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس