د. أحمد موفق زيدان - خاص ترك برس

مصطلح اللعبة العظمى نحته الشاعر الإنجليزي روديارد كيبلنغ لما كان يجري في القرن العشرين في أفغانستان وآسيا الوسطى من صراع بين القياصرة والإنجليز، وواصل السياسيون والخبراء استخدامه إبان الصراع السوفياتي ـ الأميركي في أفغانستان أواخر القرن الماضي، لكن اللعبة العظمى تجري اليوم في الشام، حيث الخزان التاريخي والراهني والمستقبلي لتشكيل الحضارات والإمبراطوريات، فمنه انطلق عالم ما بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، ومنه يلد اليوم عالم جديد لا يزال في طور التشكل والمخاض.

معادلة داعش مقابل حزب العمال الكردستاني تلك هي مضمون الاتفاق الأميركي ـ التركي الذي سمح للأميركيين بموجبه باستخدام القواعد الجوية التركية لضرب مواقع داعش في العراق والشام، بعد أن كانت الطائرات الأميركية تنطلق من دول الخليج البعيدة نسبيًا، مما يوفر مزايا لوجستية فنية كانت واشنطن تسعى لفترة طويلة لإقناع تركيا بالسماح لها باستخدام قواعدها هذه.

صحيح أن تركيا لم تنتزع موافقة أمريكية على إقامة منطقة آمنة في الشمال السوري من النظام السوري طوال سنوات الثورة، وهي التي استماتت من أجلها لحماية الشعب السوري من الإبادة الجارية فعلًا بفيتو أميركي إما بمنع تزويد الثوار بأسلحة مضادات جوية متطورة أو برفضها إقامة مناطق آمنة وحظر جوي، لكن بالمقابل فإن المعطيات على الأرض تشير إلى أن تركيا ستستعمل هذا التفويض الأميركي الغامض في بنوده كون الاتفاق أصلًا لم يُعلن للملأ، ولم تعرف تفاصيله، قد تستخدمه لمواجهة أي قصف جوي للنظام على المنطقة الخالية من داعش بحسب اتفاق الطرفين وهي بطول 68 ميل وعمق 40 ميل.

إذن نجح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أخيرًا في جرّ رجل الأمريكيين إلى ساحته بإعلانه انهيار وقف إطلاق النار الهش أصلًا مع حزب العمال الكردستاني حليف حلفاء أمريكا في حربها على داعش بالعراق والشام، وهو ما سيثير الشكوك مجددًا وسط الأكراد بالسياسة الغربية التي تقدمهم دائمًا قرابين على مذبح مصالحها مع الآخرين، فارتفعت سريعًا أصوات غربية وأمريكية سياسية وإعلامية معارضة للخطوة ومعتبرة أن أوباما ضحى بالحليف الكردي وباعه لأردوغان، على الضفة الأخرى لم يوفر الطيران التركي الفرصة فشن عشرات الغارات على مواقع حزب العمال الكردستاني بسورية والعراق، وأحيانًا على مواقع مليشيات الحماية الكردية الذي تراه أنقره مخترقًا من قبل العمال الكردستاني وهو ما لم يخفه حتى زعيم حزب الاتحاد الديمقراطي صالح مسلم في حواره أخيرًا مع صحيفة الحياة.

وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو لم يغب عليه وهو يبدد ما يسعى الأمريكيون والأكراد إلى الترويج له من أن الأخيرين حلفاءه في الحرب على ما يوصف بالإرهاب بقتالهم في العراق والشام، فقال إن هذا القتال هدفه السلطة والأرض وليس السلام والاستقرار، والشاهد ما يفعله حزب العمال الكردستاني في تركيا من عمليات إرهابية. مأزق غلاة الأكراد في سورية أنهم ظنوا أن ما جرى في العراق بإقامة إقليم كردي أقرب إلى الدولة المستقلة يمكن استنساخه في سورية، فظلوا يلعبون على حبال متعددة كان من بينها البقاء على علاقة وثيقة مع العصابة البرميلية بزعامة بشار الأسد، فلم يقاتلوه، بل ظلت مربعاته الأمنية في الحسكة والقامشلي ضيوفًا كرامًا عليهم بعد أن كانوا ضيوفًا أذلاء بالأمس عليه قتلًا وتنكيلًا وإذلالًا، بالمقابل كان النظام إما يُخلي لهم المناطق التي ينسحب منها أو تغيب براميله المتفجرة عن مناطق سيطرة الأكراد وهي التي لم توفر مترًا واحدًا من مناطق سورية الأخرى إلا وحرثته ودمرته.

واصل غلاة الأكراد أيضًا استفزازاتهم لتصل إلى منسوب خطير يمس جدرانًا حمراء تركية بالحديث عن دولة كردية تصل العراق بالمتوسط، يضاف إليه أعمالهم في تهجير العرب السنة والتركمان من مناطقهم، تخللتها حركات استفزازية أخرى برفع العلم الكردي في المناطق التي شاركت وحدات من الجيش الحر تحريرها من داعش، أما على صعيد الخطاب السياسي فقد هاجموا كل ما يمت للمعارضة العسكرية والسياسية السورية للنظام حتى الائتلاف الوطني فضلًا عن كل جماعات الثوار، وإبراز مجمل الحراك السياسي السني على أنه منظمات إرهابية بما فيه الائتلاف المعترف به من أكثر من 100 دولة، كلها خطوات كانت تشي بحرصهم على سلق الأمور سريعًا وصولًا لبغيتهم الممثلة بدولة تُزنّر تركيًا تماما وتخنقها جيوسياسيًا أكثر مما مارسه نظام الأسد الأب والابن على مدى عقود، كل هذا أثار على ما يبدو غضب زعيم الإقليم الكردي العراقي مسعود البرزاني في حواره مع الشرق الأوسط فأثنى على حكمة الحكومة التركية السياسية في التعامل مع الملف الكردي، وحمّل حزب العمال الكردستاني مسؤولية المواجهة بعدم تحليه بالصبر.

يُدرك أردوغان تمامًا أن الحليف الأمريكي المقاتل والحقيقي على الأرض في الشام والعراق اليوم، هو العنصر الكردي وليس العنصر الشيعي وهو ما تحدثت عنه وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون باستفاضة في مذكراتها، فكان أن أثبتت المليشيات الكردية البيشمركة بالعراق، ووحدات الحماية الكردية شراسة في قتال داعش بخلاف الحشد الشعبي الشيعي وقوات الحكومة الطائفية العراقية الذين فشلوا في مواجهة تقدم داعش، وبالتالي فإن دق اسفين تركي بين الأكراد والأميركيين والتشكيك ببعضهما سيُلقي بتداعياته الخطيرة على السياسة الأميركية في الحرب على داعش بالعراق والشام، وهو ما سيُرغمها لاحقًا على تنويع خيارات تعاملها في التعاطي مع داعش بالتوجه إلى تركيا.

لم تكتف الحكومة التركية بانتزاع المظلة الأميركية في حربها على حزب العمال الكردستاني ومتفرعاته، وإنما عززته بدعوة لاجتماع طارئ لحلف النيتو هو السادس من نوعه فقط على امتداد تاريخه الـ 66 عامًا فكان أن أقرّ الاجتماع دعم تركيا في حماية نفسها من المهددات الأمنية التي تتعرض لها من التنظيم الكردي الإرهابي وإن أوصاها بمواصلة العملية السياسية التي أعلن وفاتها الرئيس أردوغان بعد الاعتداءات المتكررة من قبل الحزب على الجيش والشرطة التركية من قتل وخطف وو...

هذه التطورات بالتأكيد ستُلقي بانعكاسات إيجابية على الصعيد التركي الداخلي وإن لم يُردها يقابله انعكاس سلبي على شهر العسل الكردي الذي أحس به حزب العمال وأشقاؤه بحصده 80 مقعدًا في البرلمان التركي، إذ إن أي انتخابات مبكرة لن توفر له هذا العدد من المقاعد في ظل الاستياء الشعبي إثر انهيار عملية السلام الذي تُحمل غالبية الأتراك مسؤوليته للأكراد، وبالتالي فإن أي انتخابات مبكرة ستكون لصالح العدالة والتنمية وتعزيزًا لحضوره البرلماني، لكن ليس دقيقًا أبدًا ما يردده خصوم أردوغان من أن تخليه عن السلام مع الأكراد مرده رغبته بانتخابات مبكرة ، نكنه من حصد مقاعد أكثر على حساب التراجع الكردي، إذ لو كان ذلك صحيحًا لما تخلى أردوغان عن جماعة فتح الله كولن التي صوتت للأكراد أخيرًا وهو ما تسبب في تراجعه.

داخليًا سوريًا فالتطورات هذه جاءت مع نجاح جيش الفتح في تنظيف محافظة إدلب تقريبًا من قوات العصابة البرميلية، بالإضافة إلى التقدم في حلب وهو ما قد يُتيح فرصة إقامة المنطقة الآمنة التي يتحدث عنها أردوغان من أجل عودة أكثر من مليون وسبعمائة ألف مهاجر سوري لديه، ويأتي دخول بعض العناصر المدربة أميركيًا إلى الريف الحلبي ليعزز الحضور التركي أيضًا في إشراك واشنطن أكثر في حماية المدربين جوًا، ولعل كل هذه التطورات قرأها مسبقًا بشار الأسد حين تحدث عن انسحاب من مناطق للاحتفاظ بمناطق أخرى.

الرسائل التي أرسلتها أحرار الشام أخيرًا عبر مقالين للأستاذ لبيب نحاس مدير علاقاتها الخارجية والمنشورين في الواشنطن بوست والديلي تلغراف كانت واضحة وضوح الشمس من أن الحركة التي قد تعد الأقوى في سورية قادرة على أن تكون شريكًا عسكريًا وسياسيًا حقيقيًا في سورية المستقبل، وهو ما قد يريح الأتراك في ظل محاولة دولية لتنميط الثوار بالإرهاب والتطرف..

الواضح أن تركيا اتخذت قرارها بالرد على الاتفاق النووي الإيراني ـ الأميركي لكن في سورية من خلال حضورها الجوي، ومُسلّحة أيضًا بتكرار الموقف السعودي في اليمن وقبول المجتمع الدولي للغارات السعودية على المتمردين الحوثيين، فهل سيتكرر الفعل السعودي في اليمن بفعل تركي في الشام؟.

عن الكاتب

د. أحمد موفق زيدان

كاتب وصحفي سوري


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس