
محمد عاكف صويصال - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
يشهد العالم تحولًا صامتًا لكنه عميق. ولم يُطلق بعد اسم محدد على هذا التحول. إلا أن مؤشراته أصبحت تُرى في كل مكان. فالولايات المتحدة الأمريكية تحاول إعادة توطين التقنيات الحيوية داخل أراضيها. والصين تعمّق قدراتها الإنتاجية أكثر فأكثر. أما أوروبا، فتُعيد إدراج سياساتها الصناعية، التي أهملتها لسنوات طويلة، على جدول أعمالها.
قد تبدو هذه التطورات للوهلة الأولى مستقلة عن بعضها البعض، لكنها في الواقع تشير جميعها إلى حقيقة واحدة: وهي أن مفهوم التنمية في القرن الحادي والعشرين يُعاد صياغته من جديد.
فعلى مدى سنوات طويلة، كان المعيار الأساسي للنجاح الاقتصادي يتمثل في الإنتاج بتكلفة أقل، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، والاندماج بصورة أقوى في سلاسل التجارة العالمية. أما اليوم، فلم تعد هذه العوامل وحدها كافية. لأن المنافسة لم تعد تدور بين الشركات فحسب، بل أصبحت بين منظومات الإنتاج والتكنولوجيا والابتكار التي تبنيها الدول.
السؤال الحقيقي للمرحلة الجديدة
خلال الأشهر الماضية، تناولت في هذه الزاوية تراجع القدرة التنافسية لأوروبا، ونموذج المنظومة الصناعية في الصين، وكيف باتت قرارات الاستثمار تتشكل بصورة متزايدة وفقًا للأولويات الجيوسياسية. وعندما أنظر إلى الوراء، أُدرك أن جميع تلك المقالات كانت تدور في الحقيقة حول السؤال نفسه: ما الذي سيجعل الدول قوية حقًا في المرحلة الجديدة؟
إنني لا أبحث عن جواب هذا السؤال في المزيد من الاستثمارات، أو المزيد من الحوافز، أو المصانع الأكبر حجمًا. وبرأيي، يكمن الجواب في القدرة على بناء منظومات بيئية قادرة على تحقيق نجاح مستدام في القطاعات الاستراتيجية.
القوة غير المرئية للصناعات الدفاعية
عندما نقيم شجرة ما، فإننا غالبًا ما ننظر إلى ثمارها. وكلما كانت الثمار أكبر، اعتقدنا أن الشجرة أقوى. لكن البستاني الجيد يعلم أن ما يُبقي الشجرة واقفة ليس ثمارها، بل نظام الجذور غير المرئي الكامن تحت التربة.
وفي هذه النقطة تحديدًا، تمتلك تركيا تجربة بالغة الأهمية لا ننظر إليها في الغالب إلا من زاوية الأمن، وهي: الصناعات الدفاعية.
فعندما نتحدث اليوم عن الصناعات الدفاعية، فإننا نتحدث بطبيعة الحال عن الطائرات المسيّرة، والسفن الحربية، وأنظمة الرادار، ومنظومات الدفاع الجوي، وغيرها من المنصات عالية التقنية. وكل واحدة من هذه الإنجازات تمثل مصدر فخر مشروع لتركيا.
إن ما حققته تركيا في الصناعات الدفاعية ليس إنتاج الأسلحة، بل بناء نظام قادر على إنتاج النجاح.
إن قدرة المؤسسات العامة على العمل في إطار هدف مشترك، وقدرة القطاع الخاص على الاستثمار طويل الأجل، وإنتاج الجامعات للمعرفة، وتطور ثقافة البحث والتطوير، وسلاسل التوريد التي تنمو جنبًا إلى جنب مع الشركات المتعهدة الرئيسة، وتوفير الكوادر البشرية المؤهلة، والتركيز على التقنيات الحيوية، والتنسيق القوي الذي يجمع كل هذه العناصر في إطار هدف استراتيجي واحد... إن المنتجات التي نراها اليوم ليست سوى ثمار نظام الجذور غير المرئي هذا.
نحو النموذج الوطني للمنظومة الاستراتيجية (MSEM)
إذا كانت تركيا قد استطاعت بناء هذا النظام في الصناعات الدفاعية، فلماذا لا تستطيع بناءه أيضًا في القطاعات الاستراتيجية الأخرى للمستقبل؟
أعتقد أنني، أثناء دراستي للصناعات الدفاعية في الفترة الأخيرة، وجدت في الواقع مؤشرات على نهج تنموي أشمل. وخلال الأسابيع المقبلة، سأواصل مناقشة هذا النهج تحت عنوان: النموذج الوطني للمنظومة الاستراتيجية (MSEM).
وما أقصده هنا ليس اقتراح حزمة حوافز جديدة، ولا إنشاء هيكل مؤسسي جديد. فالقضية الأساسية هي القدرة على قراءة المنطق الذي أنتج النجاح في الصناعات الدفاعية قراءة صحيحة، ثم نقله إلى القطاعات الاستراتيجية الأخرى التي سترسم مستقبل تركيا.
لأنني أؤمن بأن القدرة التنافسية لتركيا في المستقبل لن تعتمد على البحث عن قصص نجاح جديدة، بل على فهم النظام الكامن وراء نجاحها الحالي فهمًا صحيحًا، ثم إعادة إنتاجه في مجالات أخرى.
هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!
مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس













