دورسون غورلك - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

في المقال الذي كتبته الأسبوع الماضي بعنوان "رحمة الله على السلطان سليم الأول"، أشرت إلى أن الراحل أحمد أرسين يوجل أضاف إضافات بالغة الأهمية إلى كتاب نامق كمال الذي تناول هذا السلطان، وذكرت أنني سأنقل إليكم بعضًا منها في وقت لاحق.

وها أنا أورد هنا واحدة من تلك الإضافات المهمة، والتي تُعدد بعضًا من خصال السلطان بايزيد الثاني الجديرة بالتقدير والثناء، ومناقبه، وخدماته الأخرى التي لا يعرفها كثيرون، على النحو الآتي:

"أما بالنسبة إلى بايزيد الثاني؛ فإذا كان بالإمكان وصف الرأي الذي عرضه نامق كمال حتى الآن بأنه اتخذ من الانتقاص من الأب سبيلًا لتعظيم شأن سليم، فإنه يمكن القول إن هذا الرأي كان هو السائد في جميع المصادر العثمانية تقريبًا، باستثناءات قليلة. غير أن المؤرخين اليوم لا يقبلون بهذا التصور. فقد كان السلطان بايزيد من أكثر أبناء آل عثمان علمًا. وكان شديد الشغف بالعلوم الدينية، والحساب، والهندسة، وعلم الفلك. وكان يتقن العربية والفارسية إتقانًا تامًا، كما كان ملمًا إلمامًا كاملًا باللهجة الجغتائية من اللغة التركية. وكان شاعرًا، وله ديوان، وكان يتخذ لقب "عدني" اسمًا أدبيًا في شعره. كما كان عارفًا بالموسيقى، وله مؤلفات موسيقية، وكان خطاطًا، ويرعى الخطاطين. وقد برز الخطاط الشهير الشيخ حمد الله في عهده. وكان يخصص ميزانية خاصة للعلماء، ويشجعهم على التأليف وإنتاج الأعمال العلمية. وفي أحد التقارير التي رفعها أندريه أغريتي، الذي أصبح لاحقًا دوق (رئيس جمهورية) البندقية، إلى حكومته، جاء فيه: "إنه شديد الولع بصناعة الآلات، وصاحب معرفة عميقة جدًا بعلمي الفلك واللاهوت، وهو دائم الانشغال بقراءة المؤلفات المتعلقة بهذين العلمين."

وكان بايزيد الثاني رجلًا جهز الدولة بالعلوم التطبيقية والتطورات التقنية التي عرفها عصره. فقد أعاد تنظيم فرق الإنكشارية، التي كانت تشكل الجيش العثماني المتخصص والقوة العسكرية النظامية، وشهد عهده تطورًا كبيرًا في فن المدفعية، ولا سيما المدفعية الميدانية، بصورة لم تعرفها أي دولة أخرى آنذاك. ونحن مدينون بهذا التطور، إلى حد كبير، للانتصارات التركية التي تحققت في عهد السلطان سليم الأول. كما جرى في عهده تطوير قوات الفرسان الإقطاعيين (التيماريين)، وتعزيز قدرتها على التجمع في المكان المطلوب خلال أقصر وقت ممكن. وكان السلطان نفسه يتمتع بمهارة فائقة في الرماية بالسهام. ولا يزال أحد الأقواس التي صنعها بيديه الكريمتين محفوظًا ومعروضًا في قصر طوب قابي. ويشير أندريه أغريتي إلى ذلك بقوله: "لا أحد يستطيع صنع الأقواس وشدها بإتقان مثله." كما أُلّفت في عهده مؤلفات حول فن الرماية. وكان، شأن والده، يميل إلى العزلة، ويعشق مطالعة الكتب.

وفي عهده، شهدت الملاحة التركية تطورًا كبيرًا بقيادة كمال ريس وبراق ريس، وبفضل انتصار سابينزا الذي تحقق في 28 يوليو/تموز 1499 (ذي الحجة 904 هـ)، إثر هجوم استشهادي نفذه براق ريس مع 500 من البحارة في سبيل الدين، أصبحت السيادة البحرية في البحر المتوسط لنا بصورة مطلقة. كما أن فتح بوغدان وآق كرمان جعل البحر الأسود، مرة أخرى، بحيرة تركية-إسلامية خالصة، وهو وضع استمر قرابة ثلاثة قرون. ويمكن وصف عهده بأنه مرحلة ترسيخ واستيعاب للمناطق التي فتحها والده محمد الثاني، المعروف بلقب أبو الفتح، ومرحلة إعداد لانطلاقات جديدة. كما اشتهر بايزيد الولي، طوال مدة سلطانه، بعطفه على الفقراء، وقد بلغت الأموال التي وزعها عليهم مبالغ طائلة. ووفقًا للدفاتر الباقية من عهده، وصلت هذه التبرعات إلى 8 ملايين و600 ألف آقجة.

وكان يخصص لمكة المكرمة وحدها 40 ألف دوكا سنويًا للفقراء. ولم يكن بايزيد الثاني يرتدي التاج الذهبي (أوسكوف) كما فعل السلاطين الستة الأوائل، ولا زي العلماء (العرف) كما فعل السلطان مراد الثاني. بل اختار عمامة مخروطية يلفها قماش من التول، والتي أصبحت فيما بعد غطاء الرأس الرسمي المعروف باسم المجوّزة. وقد بلغت إيرادات الدولة في عهده خمسة ملايين دوكا، وهو رقم ضخم جدًا بمقاييس ذلك العصر. وكان في الأناضول 24 سنجقًا، وفي الروملي 34 سنجقًا، وكان يدير أراضي تزيد مساحتها على ثلاثة أضعاف مساحة تركيا الحالية.

وعلى الرغم من أن طبيعة السلطان بايزيد كانت تميل إلى السلم، فإنه كان يعد الجهاد أمرًا عظيمًا بسبب قناعاته الدينية. ولذلك أوصى بأن يُجمع بعناية الغبار والطين اللذان أصابا ثيابه وحذاءه أثناء المعارك، وأن يوضعا تحت خديه عند وفاته، حتى يكون -على حد تعبير سعد الدين (الخواجة سعد الدين أفندي)-: "عطرهما الزكي يطيب قبر المجاهد، ويُبعد عنه، بمقتضى الحديث الشريف، نار الجحيم."

ولأنه كان ملتزمًا التزامًا كاملًا بأوامر القرآن الكريم، فقد شيد مسجدًا على التلة الثالثة من تلال إسطنبول السبع، ولم يكتمل بناؤه إلا بعد تسع سنوات. كما أنشأ بجواره مطبخًا خيريًا للفقراء، ومدرسة. وفي أدرنة، بنى مسجدًا على طراز مسجد إسطنبول، إلى جانب مستشفى، وحمام، ومطبخ خيري، ومدرسة، وخصص لهذا المسجد إيرادات الطواحين الواقعة بالقرب من الجسر ذي الأقواس الستة فوق نهر تونجا. كما أمر ببناء تكية، ومدرسة ابتدائية، ومطبخ خيري، ومدرسة علمية في أماسيا. ولم تقتصر المؤسسات التي أنشأها السلطان بايزيد على ذلك، بل إنه، كما فعل والده الفاتح عندما بنى تكية للشيخ أبي الوفاء، أقام هو أيضًا تكية ومدرسة للشيخ شمس الدين البخاري.

وقد أُعيد في عهده إحياء منصب رئاسة السادات، الذي أُسس في عهد السلطان محمد الأول، ثم أُلغي في عهد السلطان محمد الثاني، ولكن هذه المرة تحت مسمى نقيب الأشراف، وهو اللقب الذي كان مستخدمًا في عهد الخلفاء الراشدين. كما اقتدى به عدد من وزرائه، ومنهم علي باشا ومصطفى باشا، فبنوا مطابخ خيرية للفقراء في إسطنبول، وخصصوا لها الموارد اللازمة. واقتداءً بجده الأكبر الذي أنشأ جسرًا على نهر إرغنة، أمر بايزيد الثاني أيضًا ببناء ثلاثة جسور: أحدها على نهر قزل إرماق في عثمانجيك يتكون من تسعة أقواس، والثاني على نهر سقاريا يتكون من أربعة عشر قوسًا، والثالث في سنجق صاروخان ويتكون من تسعة عشر قوسًا.

وإلى جانب الأموال الطائلة التي أنفقها على البناء والصدقات، كان يوزع كل عام هدايا كثيرة على الفقراء، والمفتين، وقضاة العسكر، والمدرسين، والمشايخ. ولا بد من الاعتراف بأن الرعاية التي أولاها بايزيد لمختلف العلوم أدت إلى نهضة علمية كبرى في عهده."

ولم ينته بعدُ تعداد خدمات هذا الراحل، ولا جهوده، ولا ما تركه من آثار ومؤسسات في بلادنا. وسنواصل، إن شاء الله، استعراضها الأسبوع المقبل.

دمتم بخير وعافية.

 

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!